المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣٧
و هذا كما يجب أن يقدّم حاجة الوالدة على حاجة الوالد إذ سئل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم فقيل له: «من أبرّ؟ قال: أمّك، ثمّ قال: ثمّ من؟ قال: أمّك، قال: ثمّ من؟
قال: أمّك، قال: ثمّ من؟ قال: أباك، قال: ثمّ من؟ قال: أدناك ثمّ أدناك» [١] فينبغي أن يبدأ في الصّلة بالأقرب فالأقرب، و إن استويا فبالأحوج، فإن استويا فبالأتقى و الأورع و كذلك من لا يفي ماله بنفقة الوالدين و الحجّ فربّما يحجّ فهو مغرور بل ينبغي أن يقدّم حقّيهما على الحجّ و هذا من تقديم فرض أهمّ على فرض هو دونه و كذلك إذا كان على العبد ميعاد و دخل وقت الجمعة فالجمعة تفوت بالاشتغال بالوفاء بالوعد و الاشتغال بالوفاء بالوعد معصية و إن كان هو في نفسه طاعة، و كذلك تصيب ثوبه النجاسة فيغلظ القول على أبويه و أهله بسببه فالنجاسة محذورة و إيذاؤهما محذور، فالحذر من الأذى أهمّ من الحذر من النجاسة، و أمثلة تقابل المحذورات و الطاعات لا تنحصر، و من ترك الترتيب في جميع ذلك فهو مغرور، و هذا غرور في غاية الغموض لأنّ المغرور فيه في طاعة إلّا أنّه لا يفطن بصيرورة الطاعة معصية حيث ترك بها طاعة واجبة هي أهمّ منها، و من جملته الاشتغال بالمذهب و الخلاف من الفقه في حقّ من بقي عليه شغل من الطاعات و المعاصي الظاهرة و الباطنة المتعلّقة بالجوارح و المتعلّقة بالقلب لأنّ مقصود الفقه معرفة ما يحتاج إليه غيره في جوارحهم فمعرفة ما يحتاج هو إليه في قلبه أولى به إلّا أنّ حبّ الرّئاسة و الجاه و لذّة المباهاة و القهر للأقران و التقدّم عليهم يعمي عليه حتّى يغترّ به مع نفسه و يظنّ أنّه مشغول بهمّ دينه.
الصنف الثالث المتصوّفة
و ما أغلب الغرور عليهم و المغترّون منهم فرق كثيرة، ففرقة هم متصوّفة أهل الزّمان إلّا من عصمه اللَّه اغترّوا بالزّيّ و المنطق و الهيئة فساعدوا الصّادقين من الصّوفيّة في زيّهم و هيئتهم و في ألفاظهم و في آدابهم و مراسمهم و اصطلاحاتهم و في أحوالهم الظاهرة في السّماع و الرقص و الطهارة و الصّلاة و الجلوس
[١] أخرجه الترمذي ج ٨ ص ٩١ عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده و قال في الباب عن أبي هريرة و أبي الدرداء و عبد اللَّه بن عمر و عائشة.
المحجة