المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣٥
يطهّروا ظاهرهم و باطنهم، قلوبهم معلّقة ببلادهم ملتفتة إلى قول من يعرفه أنّ فلانا مجاور بمكّة تراه يتحدّى و يقول: قد جاورت بمكّة كذا و كذا سنة و إذا سمع أنّ ذكر ذلك قبيح ترك صريح التحدّي و أحبّ أن يعرفه الناس بذلك، ثمّ إنّه يجاور و يمدّ عين طمعه إلى أوساخ أموال الناس فإذا جمع من ذلك شيئا شحّ عليه و أمسكه و لم تسمح نفسه بلقمة يتصدّق بها على فقير فيظهر فيه الرّياء و البخل و الطمع و جملة من المهلكات كان عنها بمعزل لو ترك المجاورة و لكنّ حبّ المحمدة و أن يقال: إنّه من المجاورين ألزمه المجاورة و لكن مع التصنّع بهذه الرّذائل فهو أيضا مغرور، و ما من عمل من الأعمال و لا عبادة من العبادات إلّا و فيها آفات فمن لم يعرف مداخل آفاتها و اعتمد عليها بغير معرفة فهو مغرور و لا يعرف شرح ذلك إلّا من جملة كتاب إحياء العلوم فيعرف مداخل الغرور في الصلاة من كتاب الصلاة، و في الحجّ و الزكاة و سائر القربات من الكتب الّتي رتّبناها فيها، و إنّما الغرض الآن الإشارة إلى مجامع ما سبق في الكتب.
و فرقة أخرى تزهّدت و قنعت من اللّباس و الطعام بالدّون
و من المسكن بالمساجد و ظنّت أنّها أدركت رتبة الزّهّاد و هو مع ذلك راغب في الرئاسة و الجاه إمّا بالعلم أو بالوعظ أو بمجرّد الزّهد فقد ترك أهون الأمرين رياء بأعظم المهلكين فإنّ الجاه أعظم من المال، و لو ترك الجاه و أخذ المال كان إلى السلامة أقرب و هذا مغرور إذ ظنّ أنّه من الزّهّاد في الدّنيا، و هو لم يعرف معنى الدّنيا و لم يدر أن منتهى لذّاتها الرئاسة، و إنّ الراغب فيها لا بدّ و أن يكون منافقا و حسودا و متكبّرا و مرائيا و متّصفا بجميع خبائث الأخلاق، نعم و قد يترك الرئاسة و يؤثر الخلوة و العزلة و هو مع ذلك مغرور إذ يتطاول بذلك على الأغنياء و يخشن معهم الكلام و ينظر إليهم بعين الاستحقار و يرجو بنفسه أكثر ممّا يرجو لهم و يعجب بعمله و يتّصف بجملة من خبائث القلوب و هو لا يدري و ربّما يعطى المال فلا يأخذه خيفة من أن يقال: بطل زهده، و لو قيل له: إنّه حلال فخذه في الظاهر و ردّه في الباطن لم تسمح به نفسه خوفا من ذمّ الناس فهو راغب في حمد الناس و هو من ألذّ أبواب الدّنيا،
المحجة