المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢٩
الحروف و تحسينها و يزعم أنّ العلوم لا يمكن حفظها إلّا بالكتابة فلا بدّ من تعلّمها و تصحيحها و لو عقل لعلم أنّه يكفيه أن يتعلّم أصل الخطّ بحيث يمكن أن يقرأ كيف ما كان و الباقي زيادة على الكفاية، و كذلك الأديب لو عقل لعرف أنّ لغة العرب كلغة الترك و المضيّع عمره في معرفة لغة العرب كالمضيّع عمره في معرفة لغة الترك و الهند و إنّما فارقتها لأجل ورود الشريعة بها فيكفي من اللّغة علم الغريبين في الأحاديث و الكتاب و من النحو ما يتعلّق بالكتاب و السنّة و أمّا التعمّق فيه إلى درجات لا تتناهى ففضول مستغنى عنه، ثمّ لو اقتصر عليه و أعرض عن معرفة المعاني الشرعيّة و العمل بها فهو أيضا مغرور، بل مثاله مثال من ضيّع العمر في تصحيح مخارج الحروف في القرآن و اقتصر عليه و هو غرور إذ المقصود من الحروف المعاني و إنّما الحروف ظروف و أدوات و من احتاج إلى أن يشرب السكنجبين ليزيل ما به من الصّفراء فضيّع أوقاته في تحسين القدح الّذي يحفظ فيه السكنجبين فهو من الجهّال المغرورين، فكذلك غرور أهل النحو و اللّغة و الأدب و القراءة و التدقيق في مخارج الحروف مهما تعمّقوا فيها و تجرّدوا لها و عرّجوا عليها أكثر ممّا يحتاج إليه في تعلّم العلوم الّتي هي فرض عين فاللّب الأقصى هو العمل و الّذي فوقه هو معرفة العلم و هو كالقشر للعمل، و كاللّبّ بالإضافة إلى ما فوقه و ما فوقه هو سماع الألفاظ و حفظها بطريق الرّواية و هو قشر بالإضافة إلى المعرفة و لبّ بالإضافة إلى ما فوقه و ما فوقه هو العلم باللّغة و النحو و فوق ذلك و هو القشر الأعلى العلم بمخارج الحروف، و القانعون بهذه الدّرجات كلّهم مغرورون إلّا من اتّخذ هذه الدّرجات منازل فلم يعرّج عليها إلّا بقدر حاجته فيجاوزها إلى ما وراءها حتّى وصل إلى لباب العمل فطالب بحقيقة العمل قلبه و جوارحه و رجى عمره في حمل النفس عليه، و تصحيح الأعمال و تصفيتها عن الشوائب و الآفات فهذا هو المقصود المخدوم من جملة علوم الشرع و سائر العلوم خدم له و وسائل إليه و قشور له و منازل بالإضافة إليه و كلّ من لم يبلغ المقصد فقد خاب سواء كان في المنزل القريب أو في المنزل البعيد و هذه العلوم لما كانت متعلّقة بعلوم الشرع اغترّ بها أربابها، فأمّا علم الطبّ و الحساب
المحجة