المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢٦
على المنابر و بعضهم في المحاريب و بعضهم في الأسواق مع الجلساء و كلّ منهم يظنّ أنّه إذا تميّز بهذا القدر عن السوقيّة و الجنديّة- إذ حفظ كلام الزّهّاد و أهل الدّين دونهم- فقد أفلح و نال الفرض و صار مغفورا له و امن من عقاب اللَّه من غير أن يحفظ ظاهره و باطنه عن الآثام و لكنّه يظنّ أنّ حفظه لكلام الزّهّاد من أهل الدّين يكفيه و غرور هؤلاء أظهر من غرور من قبلهم.
و فرقة أخرى استغرقوا أوقاتهم في علم الحديث
أعني في سماعه و جمع الرّوايات الكثيرة منها و طلب الأسانيد الغريبة العالية، و همّة أحدهم أن يدور في البلاد و يرى الشيوخ ليقول: أنا أروي عن فلان و قد لقيت فلانا و معي من الأسانيد ما ليس مع غيري. و غرورهم من وجوه منها أنّهم كحملة الأسفار فإنّهم لا يصرفون العناية إلى فهم معاني السنّة فعلمهم قاصر و ليس معهم إلّا النقل و يظنّون أنّ ذلك يكفيهم.
و منها أنّهم إذا لم يفهموا معانيها لا يعملون بما فيها و قد يفهم بعضهم أيضا فلا يعملون بها. و منها أنّهم يتركون العلم الّذي هو فرض عينهم و هو معرفة معالجة القلوب و يشتغلون بكثرة الاستنادات و طلب الأسانيد العالية و لا حاجة بهم إلى شيء من ذلك.
و منها و هو الّذي أكبّ عليه أهل الزّمان أيضا أنّهم لا يقومون بشرط السماع فإنّ السماع بمجرّده و إن لم تكن له فائدة و لكنّه مهم في نفسه للوصول إلى إثبات الحديث إذ التفهّم بعد الإثبات و العمل بعد التفهّم، فالأوّل السماع ثمّ التفهّم ثمّ الحفظ ثمّ العمل ثمّ النشر[١]، و هؤلاء اقتصروا من الجملة على السماع ثمّ تركوا حقيقة السماع فترى الصبيّ يحضر في مجلس الشيخ و الحديث يقرأ و الشيخ ينام و الصبيّ يلعب ثمّ يكتب اسم الصبيّ في السماع فإذا كبر تصدّى ليسمع منه و البالغ الّذي يحضر ربّما يغفل و لا يسمع و لا يصغى و لا يضبط و ربّما يشتغل بحديث
[١] في الكافي ج ١ ص ٤٨ عن أبي عبد اللَّه، عن آبائه عليهم السلام قال: جاء رجل الى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله فقال: يا رسول اللَّه ما العلم؟ قال: الانصات، قال:
ثم مه؟ قال: الاستماع، قال: ثم مه؟ قال: الحفظ، قال: ثم مه؟ قال: العمل به، قال: ثم مه يا رسول اللَّه؟ قال: نشره.
المحجة