المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢٠
ذكرنا شرح ذلك في كتاب العلم. و من هؤلاء من اقتصر من علم الفقه على الخلافيّات و لم يهمّه إلّا تعلّم طريق المجادلة و الإلزام و إفحام الخصوم و دفع الحقّ لأجل الغلبة و المباهاة فهو طول اللّيل و النّهار في التفتيش عن مناقضات أرباب المذاهب و التفقّد لعيوب الأقران و التلقّف لأنواع التسبيبات المؤذية، و هؤلاء هم سباع الإنس طبعهم الإيذاء و همّهم السفه، و لا يقصدون العلم إلّا لضرورة ما يلزمهم لمباهاة الأقران، فكلّ علم لا يحتاجون إليه في المباهاة كعلم القلب و علم سلوك الطريق إلى اللَّه تعالى بمحو الصفات المذمومة و تبديلها بالمحمودة فإنّهم يستحقرونه و يسمّونه التزويق و كلام الوعّاظ و إنّما التحقيق عندهم معرفة تفاصيل العربدة الّتي تجري بين المتصارعين في الجدل و هؤلاء قد جمعوا ما جمعه الّذين من قبلهم في علم الفتاوي لكن زادوا إذ اشتغلوا بما ليس من فروض الكفايات أيضا بل جميع دقائق الجدل في الفقه بدعة لم يعرفها السلف. و أمّا أدلّة الأحكام فيشتمل عليها علم المذاهب و هو كتاب اللَّه تعالى و سنّة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و فهم معانيهما، و أمّا حيل الجدل من الكسر و القلب و فساد الوضع و التركيب و التعدية فهي إنّما أبدعت لإظهار الغلبة و الإفحام و إقامة سوق الجدل بها، فغرور هؤلاء أشدّ كثيرا و أقبح من غرور من قبلهم.
و فرقة أخرى اشتغلوا بعلم الكلام و المجادلة في الأهواء
و الردّ على المخالفين و تتّبع مناقضاتهم، و استكثروا من معرفة المقالات المختلفة و اشتغلوا بتعلّم الطرق في مناظرة أولئك و إفحامهم و افترقوا في ذلك فرقا كثيرة و اعتقدوا أنّه لا يكون لعبد عمل إلّا بالإيمان و لا يصحّ إيمان إلّا بأن يتعلّم جدلهم و ما يسمّونه أدلّة عقائدهم و ظنّوا أنّه لا أحد أعرف باللَّه و بصفاته منهم و أنّه لا إيمان لمن لم يعتقد مذهبهم و لم يتعلّم علمهم ودعت كلّ فرقة منهم إلى نفسها ثمّ هم فرقتان: ضالّة و محقّة، و الضالّة هي الّتي تدعو إلى غير السنّة، و المحقّة هي الّتي تدعو إلى السنّة، و الغرور شامل لجميعهم، أمّا الضالّة فلغفلتها عن ضلالها و ظنّها بنفسها النجاة، و هم فرق كثيرة يكفّر بعضهم بعضا و إنّما أتيت من حيث أنّها لم تتّهم رأيها و لم تحكم أوّلا شروط الأدلّة و منهاجها فرأى أحدهم الشبهة دليلا و الدّليل شبهة، و أمّا الفرقة المحقّة
المحجة