المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢
و أمير مطاع يعيّن لكلّ عمل شخصا، و يختار لكلّ واحد ما يليق به، و يراعى النصفة في أخذ الخراج و إعطائه و استعمال الجند في الحرب و توزيع أسلحتهم و تعيين جهات الحرب، و نصب الأمير و القائد على كلّ طائفة منهم إلى غير ذلك من صناعات الملك، فتحدث من ذلك بعد الجند الّذين هم أهل السّلاح و بعد الملك الّذي يراقبهم بالعين الكالئة [١] و يدبّرهم الحاجة إلى الكتّاب و الخزّان و الحسّاب و الجباة و العمّال، ثمّ هؤلاء أيضا يحتاجون إلى المعيشة و لا يمكنهم الاشتغال بالحرف، فتحدث الحاجة إلى مال الفرع مع مال الأصل و هو المسمّى فرع الخراج و عند هذا يكون الناس في الصّناعات ثلاثة طوائف الفلاّحون و الرّعاة و المحترفون، و الثانية الجنديّة الحماة لهم بالسيوف، و الثالثة المتردّدون بين الطائفتين في الأخذ و الإعطاء و هم العمّال و الجباة و أمثالهم فانظر كيف ابتدأ الأمر من حاجة القوت و المسكن و الملبس و إلى ما ذا انتهى، و هكذا أمور الدّنيا لا يفتح منها باب إلّا و يفتح بسببه عشرة أبواب أخر و هكذا تتناهى إلى غير حدّ محصور و كأنّها هاوية لا نهاية لعمقها و من وقع في مهواة منها سقط منها إلى أخرى و هكذا على التوالي، فهذه هي الحرف و الصناعات إلّا أنّها لا تتمّ إلّا بالأموال و الآلات فالمال عبارة عن أعيان الأرض و ما عليها ممّا ينتفع بها و أعلاها الأغذية، ثمّ الأمكنة الّتي يأوي الإنسان إليها و هي الدّور، ثمّ الأمكنة الّتي يسعى فيها للتعيش كالحوانيت و الأسواق و المزارع، ثمّ الكسوة، ثمّ أثاث البيت و آلاته ثمّ آلات الآلات و قد يكون في الآلات ما هو حيوان كالكلب آلة الصيد، و البقر آلة الحراثة، و الفرس آلة لركوب الحرب، ثمّ يحدث من ذلك حاجة البيع فإنّ الفلاّح ربما يسكن قرية ليس فيها آلة الفلاّحة و الحدّاد و النجّار يسكنان قرية لا يمكن فيها الزراعة، فبالضرورة يحتاج الفلاّح إليهما و يحتاجان إليه فيحتاج أحدهما إلى أن يبذل ما عنده للآخر حتّى يأخذ منه غرضه و ذلك بطريق المعاوضة إلّا أنّ النجّار مثلا إذا طلب من الفلاّح الغذاء بآلته ربما لا يحتاج الفلاّح في ذلك الوقت إلى الآلة فلا يبيعه و الفلاّح إذا طلب الآلة من النجّار بالطعام ربّما كان عنده طعام في ذلك الوقت
[١] من كلاه اى حفظه و احترسه.
المحجة