المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٩
بكتاب الحيض و هو لا يحتاج إلى شيء من ذلك قطّ في عمره لنفسه و إذا احتاج غيره كان في المفتين كثرة فيشتغل بذلك و يحرص عليه لما فيه من الجاه و المال و الرّئاسة و قد دهاه الشيطان و ما يشعر إذ يظنّ المغرور بنفسه أنّه مشغول بفرض كفاية دينيّة و ليس يدري أنّ الاشتغال بفرض الكفاية قبل الفراغ عن فرض العين معصية، هذا لو كانت نيّته صحيحة كما قال، و كان قد قصد بالفقه وجه اللَّه تعالى فإنّه و إن قصد وجه اللَّه فهو باشتغاله به معرض عن فروض عينه في جوارحه و قلبه، فهذا غروره من حيث العمل، و أمّا غروره من حيث العلم فحيث اقتصر على علم الفتاوي و ظنّ أنّه علم الدّين و ترك علم كتاب اللَّه و سنّة نبيّه و ربّما طعن على المحدّثين و قال: إنّهم نقلة أخبار و حملة أسفار لا يفقهون، و ترك أيضا علم تهذيب الأخلاق و ترك الفقه عن اللَّه بإدراك جلاله و عظمته و هو العلم الّذي يورث الخوف و الهيبة و الخشوع و يحمل على التقوى فتراه آمنا من اللَّه مغترّا به متّكلا على أنّه لا بدّ و أن يرحمه فإنّه قوام دينه و إنّه لو لم يشتغل بالفتاوي لتعطّل الحلال و الحرام فقد ترك العلوم الّذي هي أهمّ و هو غافل مغرور و سبب غروره ما سمع في الشرع من تعظيم الفقه و لم يدر أنّ ذلك الفقه هو الفقه عن اللَّه و معرفة صفاته المخوّفة و المرجوّة ليستشعر القلب الخوف و يلازم التقوى إذ قال تعالى: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ» [١] و الّذي به يحصل الإنذار غير هذا العلم فإنّ مقصود هذا العلم حفظ الأموال بشروط المعاملات و حفظ الأبدان بالأموال و بدفع القتل و الجراحات، و المال في طريق اللَّه تعالى آلة و البدن مركب و إنّما العلم المهمّ هو معرفة سلوك الطريق و قطع عقبات القلب الّتي هي الصفات المذمومة فهي الحجاب بين العبد و بين اللَّه تعالى و إذا مات ملوّثا بتلك الصّفات كان محجوبا عن اللَّه تعالى، فمثاله في الاقتصار على علم الفقه مثال من اقتصر من سلوك طريق الحجّ على علم خرز الراوية و الخفّ و لا يشكّ في أنّه لو لم يكن لتعطّل الحجّ و لكنّ المقتصر عليه ليس من الحجّاج في شيء. و قد
[١] التوبة: ١٢٢.
المحجة