المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٨
مطّلع عليه في ذلك، فهذا و أمثاله من خفايا العيوب لا يفطن لها إلّا الأكياس، و لا يتنزّه عنها إلّا الأقوياء، و لا مطمع فيها لأمثالنا من الضعفاء إلّا أنّ أقلّ الدّرجات أن يعرف الإنسان عيوب نفسه و يسوءه ذلك و يكرهه و يحرص على إصلاحه، فإذا أراد اللَّه تعالى بعبد خيرا بصّره بعيوب نفسه، و من سرّته حسنته و ساءته سيّئته فهو مرجوّ الحال و أمره أقرب من المغرور المزكّي لنفسه، الممتنّ على اللَّه تعالى بعلمه و عمله، الظانّ أنّه من خيار خلقه فنعوذ باللَّه من الغفلة و الاغترار و من المعرفة بخفايا العيوب مع الإهمال، و هذا غرور الّذين حصّلوا العلوم المهمّة و لكن قصّروا في العمل بالعلم. و لنذكر الآن غرور الّذين قنعوا من العلوم بما لا يهمّهم و تركوا المهمّ و هم به مغترّون إمّا لاستغنائهم عن أصل ذلك العلم و إمّا لاقتصارهم عليه.
فمنهم فرقة اقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات
و الخصومات و تفاصيل المعاملات الدّنيويّة الجارية بين الخلق لمصالح المعايش فخصّصوا اسم الفقه بها و سمّوه الفقه و علم المذهب، و ربّما ضيّعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة و الباطنة و لم يتفقّدوا الجوارح و لم يخرسوا اللّسان عن الغيبة و لا البطن عن الحرام و لا الرّجل عن المشي إلى السلاطين و كذا سائر الجوارح و لم يخرسوا قلوبهم عن الكبر و الرّياء و الحسد و سائر المهلكات فهؤلاء مغرورون من وجهين: أحدهما من حيث العمل و الآخر من حيث العلم، أمّا العمل فقد ذكرنا وجه الغرور فيه و أنّ مثالهم مثال المريض إذا تعلّم نسخة الدّواء و اشتغل بتكراره و حفظه و تعليمه، لا بل مثالهم مثال من به علّة البواسير و البرسام و هو مشرف على الهلاك، محتاج إلى تعلّم الدّواء و استعماله فاشتغل بتعلّم دواء الاستحاضة و بتكرار ذلك ليلا و نهارا مع علمه بأنّه رجل لا يحيض و لا يستحاض و لكن يقول ربّما يقع علّة الاستحاضة لامرأة و تسألني عنها و ذلك غاية الغرور، و كذلك المتفقّه المسكين قد تسلّط عليه حبّ الدّنيا و اتّباع الشهوات و الحسد و الكبر و الرّياء و سائر المهلكات الباطنة و ربّما يختطفه الموت قبل التوبة و التلافي فيلقى اللَّه تعالى و هو عليه غضبان فترك ذلك كلّه و اشتغل بعلم السلم و الإجارة و الظهار و اللّعان و الجراحات و الدّيات و الدّعاوي و البيّنات و
المحجة