المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٦
و لعلّ باعثه الخفيّ هو طلب الذّكر و انتشار الصيت في الأطراف و كثرة الرّحلة إليه من الآفاق و انطلاق الألسنة عليه بالثناء و المدح بالزّهد و الورع و العلم و التقديم له في المهمّات و إيثاره في الأغراض و الاجتماع حوله للاستفادة و التلذّذ بحسن الإصغاء عند حسن اللّفظ و الإيراد و التمتّع بتحريك الرّءوس على كلامه و البكاء عليه و التعجّب منه و الفرح بكثرة الأصحاب و المستفيدين و السرور بالتخصّص بهذه الخاصيّة من بين سائر الأقران و الأشكال للجمع بين العلم و الورع و ظاهر الزّهد و التمكّن به من إطلاق لسان الطعن في الكافّة المقبلين على الدّنيا لا عن تفجّع بمصيبة الدّين و لكن عن إدلال بالتمييز و اعتداد بالتخصيص، و لعلّ هذا المسكين المغرور حياته في الباطن بما انتظم له من أمر و إمارة و عزّ و انقياد و توقير و حسن ثناء فلو تغيّرت عليه القلوب و اعتقدوا فيه خلاف الزّهد بما يظهر من أعماله فعساه يتشوّش عليه قلبه و تختلط أوراده و وظائفه، و عساه يعتذر بكلّ حيلة لنفسه و ربما يحتاج إلى أن يكذب في تغطية عيبه، و عساه يؤثر بالكرامة و المراعاة من اعتقد فيه الزّهد و الورع و إن كان قد اعتقد فيه فوق قدره و ينبو قلبه عمّن عرف حدّ فضله و ورعه و إن كان ذاك على وفق حاله، و عساه يؤثر بعض أصحابه على بعض و هو يرى أنّه يؤثره لتقدّمه في الفضل و الورع و إنّما ذلك لأنّه أطوع له و أتبع لمراده و أكثر ثناء عليه و أشدّ أصحابه إصغاء إليه و أحرص على خدمته، و لعلّهم يستفيدون منه و يرغبون في العلم و هو يظنّ أنّ قبولهم لإخلاصه و صدقه و قيامه بحقّ علمه فيحمد اللَّه تعالى على ما يسرّ على لسانه من منافع خلقه و يرى أنّ ذلك مكفّر لذنوبه و لم يتفقّد مع نفسه تصحيح النيّة فيه، و عساه لو وعد بمثل ذلك الثواب في إيثاره الخمول و العزلة و إخفاء العلم لم يرغب فيه لفقده في العزلة و الاختفاء لذّة القبول و عزّة الرّئاسة و لعلّ مثل هذا هو المراد بقول الشيطان: من زعم من ابن آدم أنّه بعلمه امتنع منّي فبجهله وقع في حبائلي. و عساه يصنّف و يجتهد فيه ظانّا أنّه يجمع علم اللَّه لينتفع به و إنّما يريد استطارة اسمه بحسن التصنيف فلو ادّعى مدّع تصنيفه و محا عنه اسمه و نسبه إلى نفسه ثقل عليه ذلك مع علمه بأنّ ثواب الاستفادة من
المحجة