المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٨
وَ يَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا» [١] و قال تعالى: ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَ خافَ وَعِيدِ [٢] و القرآن من أوّله إلى آخره تحذير و تخويف لا يتفكّر فيه متفكّر إلّا و يطول حزنه و يعظم خوفه إن كان مؤمنا بما فيه و ترى الناس يهذّونه هذّا، يخرجون الحروف من مخارجها و يتناظرون على رفعها و خفضها و نصبها و كأنّهم يقرءون شعرا من أشعار العرب لا يهمّهم الالتفات إلى معانيه و العمل بما فيه. و هل في العالم غرور يزيد على هذا؟
فهذه أمثلة الغرور باللَّه و بيان الفرق بين الرّجاء و الغرور، و يقرب منه غرور طوائف لهم طاعات و معاص إلّا أنّ معاصيهم أكثر و هم يتوقّعون المغفرة و يظنّون أنّه تترجّح كفّة حسناتهم مع أنّ ما في كفّة السيّئات أكثر و هذا غاية الجهل فترى الواحد يتصدّق بدراهم معدودة من الحلال و الحرام و يكون ما يتناول من أموال المسلمين و الشبهات أضعافه و لعلّ ما تصدّق به من أموال المسلمين و هو يتّكل عليه و يظنّ أنّ أكل ألف درهم حرام يقاومه التصدّق بعشرة من الحلال أو الحرام و ما هو إلّا كمن وضع عشرة دراهم في كفّة ميزان و في الكفّة الأخرى ألف و أراد أن يميل الكفّة الثقيلة بالكفّة الخفيفة و ذلك غاية الجهل، نعم و منهم من يظنّ أنّ طاعاته أكثر من معاصيه لأنّه لا يحاسب نفسه و لا يتفقّد معاصيه و إذا عمل طاعة حفظها و اعتدّ بها كالّذي يستغفر اللَّه بلسانه أو يسبّح اللَّه في اليوم مائة مرّة ثمّ يغتاب المسلمين و يمزّق أعراضهم و يتكلّم بما لا يرضاه اللَّه طول النهار من غير حصر و عدد و يكون نظره إلى عدد سبحته و أنّه استغفر مائة مرّة و غفل عن هذيانه طول نهاره الّذي لو كتبها لكان مثل تسبيحه مائة مرّة أو ألف مرّة و قد كتبه الكرام الكاتبون و أوعد اللَّه العقاب على كلّ كلمة و قال: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [٣] فهو أبدا يتأمّل في فضائل التسبيحات و التهليلات و لا يلتفت إلى ما ورد في عقوبة المغتابين و الكذابين و النّمامين، و المنافقين يظهرون من الكلام ما لا يضمرونه إلى غير ذلك من آفات اللّسان و ذلك محض الغرور و لعمري لو كان الكرام الكاتبون يطلبون منه أجرة النسخ لما يكتبونه من هذيانه
[١] الأعراف ١٦٩.
[٢] إبراهيم: ١٤.
[٣] سورة ق: ١٧.
المحجة