المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٧
و الأمراض و العلل و الفقر و الجوع على جملة من عباده في الدّنيا و هو قادر على إزالتها فمن هذه سنّته في عباده و قد خوّفني عقابه فكيف لا أخافه و أغترّ به، فالخوف و الرّجاء قائدان و سائقان يبعثان على العمل، فما لا يبعث على العمل فهو تمنّ و غرور، و رجاء كافّة الخلق هو سبب فتورهم و سبب إقبالهم على الدّنيا و سبب إعراضهم عن اللَّه و إهمالهم السعي للآخرة فذاك غرور و قد أخبر النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و ذكر أنّ الغرور سيغلب على آخر هذه الامّة [١] و قد كان ما وعد به صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم.
فقد كان الناس في الأعصار الأول يواظبون على العبادات و يؤتون ما آتوا و قلوبهم و جلة أنّهم إلى ربّهم راجعون، يخافون على أنفسهم و هو طول اللّيل و النهار في طاعة اللَّه يبالغون في التقوى و الحذر من الشهوات و الشبهات و يبكون على أنفسهم في الخلوات، و أمّا الآن فترى الناس آمنين مسرورين مطمئنّين غير خائفين، مع إكبابهم على المعاصي و انهماكهم في الدّنيا و إعراضهم عن اللَّه تعالى، زاعمين أنّا واثقون بكرم اللَّه و فضله و راجون لعفوه و مغفرته كأنّهم يزعمون أنّهم عرفوا من كرم اللَّه و فضله ما لم يعرفه الأنبياء و السلف الصالحون فإن كان هذا الأمر يدرك بالمنى و ينال بالهوينا فعلى ما ذا كان بكاء أولئك و خوفهم و حزنهم و قد ذكرنا تحقيق هذه الأمور في كتاب الرّجاء و الخوف. و قد قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم فيما رواه معقل بن يسار: «يأتي على الناس زمان يخلق فيه القرآن في قلوب الرّجال كما تخلق الثياب على الأبدان، أمرهم كلّه يكون طمعا لا خوف معه، إن أحسن أحدهم قال: يتقبّل منّي، و إن أساء قال: يغفر لي» [٢] فأخبر أنّهم يضعون الطمع موضع الخوف لجهلهم بتخويفات القرآن و ما فيه. و بمثله أخبر عن النصارى إذ قال: «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ (أي علماء) يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى (أي شهواتهم من الدّنيا حلالا كان أو حراما)
[١] في حديث أبي ثعلبة و قد تقدم.
[٢] قال العراقي: أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عباس بنحوه بسند فيه جهالة، و لم أره من حديث معقل.
المحجة