المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٤
مغفرته و رحمته» و قد قال: «أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي خيرا»[١]فما هذا إلّا كلام صحيح مقبول الظاهر في القلوب.
فاعلم أنّ الشيطان لا يغوي الإنسان إلّا بكلام مقبول الظاهر مردود الباطن، و لو لا حسن ظاهره لما انخدعت به القلوب و لكنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم كشف ذلك فقال:
«الكيّس من دان نفسه، و عمل لما بعد الموت، و الأحمق من أتبع نفسه هواها و تمنّى على اللَّه» [١] و هذا هو التمنّي على اللَّه غيّر الشيطان اسمه فسمّاه رجاء حتّى خدع به الجهّال، و قد شرح اللَّه تعالى الرّجاء فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [٢] يعني أنّ الرجاء بهم يليق و هذا لأنّه ذكر أنّ ثواب الآخرة أجر و جزاء على الأعمال قال تعالى: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [٣] و قال تعالى: إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [٤] أ فترى أنّ من استؤجر على إصلاح أوان و شرط له أجرة عليها و كان الشارط كريما يفي بالوعد مهما وعد و لا يخلف بل يزيده فجاء الأجير و كسر الأواني و أفسد جميعها ثمّ جلس ينتظر الأجر و يزعم أنّ المستأجر كريم أ فيراه العقلاء في انتظاره متمنّيا مغرورا أو راجيا، و هذا للجهل بالفرق بين الرّجاء و الغرّة، فإنّ من رجا شيئا طلبه و من خاف شيئا هرب منه[٢]، و كما أنّ الّذي يرجو في الدّنيا ولدا و هو بعد لم ينكح أو
[١] أخرجه الطبراني في الأوسط و أبو نعيم في الحلية من حديث واثلة بن الاسقع بسند صحيح هكذا «ان اللَّه يقول: أنا عند ظن عبدي بي ان خيرا فخير و ان شرا فشر».
[٢] في الكافي مسندا عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قيل له: قوم يعملون بالمعاصي و يقولون نرجو فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت فقال: «هؤلاء قوم يترجحون في الامانى، كذبوا ليسوا براجين، ان من رجا شيئا طلبه و من خاف من شيء هرب منه». و فيه أيضا قيل له عليه السّلام: ان قوما من مواليك يلمون بالمعاصي و يقولون نرجو، فقال: «كذبوا ليسوا لنا بموال، أولئك قوم ترجّحت بهم الامانى، من رجا شيئا عمل له و من خاف من شيء هرب منه».
[١] رواه ابن ماجه في السنن تحت رقم ٤٢٦٠ كما تقدم.
[٢] البقرة: ٢١٦.
[٣] الواقعة: ٢٤.
[٤] آل عمران: ١٨٣.
المحجة