المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٢
«فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» [١].
و قال تعالى: وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنا مَكْراً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ [٢] و قال:
وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [٣] و قال: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً. وَ أَكِيدُ كَيْداً. فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [٤].
و كما لا يجوز للعبد المهمل أن يستدلّ بإهمال السيّد إيّاه و تمكينه من النعم على حبّ السيّد بل ينبغي أن يحذر أن يكون ذلك مكرا منه، مع أنّ السيّد لم يحذّره مكر نفسه فبأن يحبّ ذلك في حقّ اللَّه مع تحذيره باستدراجه أولى فإذن من أمن مكر اللَّه فهو مغترّ، و منشؤ هذا الغرور أنّه استدلّ بنعيم الدّنيا على أنّه كريم عند المنعم، و احتمل أن يكون ذلك دليل الهوان و لكن ذلك الاحتمال لا يوافق الهوى فالشيطان بواسطة الهوى يميل بالقلب إلى ما يوافقه و هو التصديق بدلالته على الكرامة و هذا هو حدّ الغرور.
المثال الثاني هو غرور العصاة من المؤمنين
باللَّه بقولهم: إنّ اللَّه كريم و إنّا نرجو عفوه، و اتّكالهم على ذلك و إهمالهم الأعمال، و تحسين ذلك بتسميتهم تمنّيهم و اغترارهم رجاء، و ظنّهم أنّ الرّجاء مقام محمود في الدّين، فإنّ نعمة اللَّه واسعة و رحمته شاملة و كرمه عميم، و أين معاصي العباد في بحار رحمته و إنّا موحّدون و مؤمنون فنرجوه بوسيلة الإيمان، و ربّما كان مستند رجائهم التمسّك بصلاح الآباء و علوّ رتبتهم كاغترار العلويّة بنسبهم و مخالفتهم سيرة آبائهم في الخوف و التّقوى و الورع، و ظنّهم أنّهم أكرم على اللَّه من آبائهم، إذ آباؤهم مع غاية الورع و التقوى كانوا خائفين و هم مع غاية الفسق و الفجور آمنون[١]و ذلك نهاية الاغترار
[١] روى الصدوق- رحمه اللَّه- في عيون أخبار الرضا عليه السّلام بإسناده عن الوشاء قال: كنت بخراسان مع على بن موسى عليه السّلام في مجلسه و زيد بن موسى حاضر قد أقبل على جماعة في المجلس يفتخر عليهم و يقول: «نحن و نحن نقول» و أبو الحسن عليه السّلام مقبل على قوم يحدثهم فسمع مقالة زيد فالتفت إليه و قال: يا زيد أغرك قول ناقلى
[١] الأعراف: ٩٩.
[٢] النمل: ٥٢.
[٣] آل عمران: ٤٨.
[٤] الطارق: ١٧.
المحجة