المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠١
وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ. فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ- فأجاب اللَّه عن ذلك- كَلَّا [١] بيّن أنّ ذلك غرور، قيل: كذّبهما جميعا بقوله: «كَلَّا» يقول: ليس هذا بكرامتي و لا هذا بهواني و لكن الكريم من أكرمته بطاعتي غنيّا كان أو فقيرا، و المهان من أهنته بمعصيتي غنيّا كان أو فقيرا و هذا الغرور علاجه معرفة دلائل الكرامة و الهوان، إمّا بالبصيرة، و إمّا بالتقليد، أمّا بالبصيرة فبأن يعرف وجه كون الالتفات إلى شهوات الدّنيا مبعدا عن اللَّه تعالى، و وجه كون التباعد عنها مقرّبا إلى اللَّه تعالى، و يدرك ذلك بالإلهام في منازل العارفين و الأولياء، و شرحه في جملة علوم المكاشفة و لا يليق بعلم المعاملة. و أمّا معرفته بطريق التقليد و التصديق فهو أن يؤمن بكتاب اللَّه تعالى و يصدّق رسوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم، و قد قال تعالى: أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ. نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ [٢].
و قال تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [٣] و قال: «فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [٤].
و في تفسير قوله: «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ»* إنّهم كلّما أحدثوا ذنبا أحدثنا لهم نعمة ليزيد غرورهم.
و قال تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً [٥] و قال تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ. إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ. مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ [٦] إلى غير ذلك ممّا ورد في كتاب اللَّه تعالى و سنّة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم، فمن آمن به خلص و نجا من هذا الغرور فإنّ منشأ هذا الغرور الجهل باللَّه و بصفاته، فإنّ من عرفه لا يأمن مكره و لا يغترّ بأمثال هذه الخيالات الفاسدة و ينظر إلى فرعون و قارون و إلى ملوك الأرض و كيف أحسن اللَّه إليهم ابتداء ثمّ دمّرهم تدميرا، و قد حذّر اللَّه مكره و استدراجه فقال:
[١] الفجر: ١٥ إلى ١٨.
[٢] المؤمنون: ٥٨.
[٣] الأعراف: ١٨٢.
[٤] الانعام: ٤٤.
[٥] آل عمران: ١٧٣.
[٦] إبراهيم: ٤٥.
المحجة