المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣
الجزء السّادس
[تتمة ربع المهلكات]
[تتمة كتاب ذم الدنيا]
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
(بيان المواعظ في ذم الدنيا)
خطب عليّ عليه السّلام يوما فقال في خطبته: «اعلموا أنّكم ميّتون و مبعوثون من بعد الموت، و موقوفون على أعمالكم، و مجزيّون بها، فلا تغرنّكم الحياة الدّنيا فانّها بالبلاء محفوفة، و بالفناء معروفة، و بالغدر موصوفة، فكلّ ما فيها إلى زوال، و هي بين أهلها دول و سجال [١]، لا تدوم أحوالها، و لن يسلم من شرّها نزّالها، بينا أهلها منها في رخاء و سرور إذا هم منها في بلاء و غرور، أحوال مختلفة، و تارات متصرّفة، العيش فيها مذموم، و الرّخاء فيها لا يدوم، و إنّما أهلها فيها أغراض مستهدفة، ترميهم بسهامها، و تقصّمهم بحمامها [٢] و كلّ جيفة فيها مقدور و حظّه منها موفور، و اعلموا عباد اللّه أنّكم و ما أنتم فيه من هذه الدّنيا على سبيل من قد مضى ممّن كان أطول منكم أعمارا، و أشدّ منكم بطشا، و أعمر ديارا، و أبعد آثارا، فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة [٣] من بعد طول تقلّبها، و أجسادهم بالية، و ديارهم خالية، و آثارهم عافية، استبدلوا بالقصور المشيّدة، و السرر و النمارق الممهّدة الصخور و الأحجار المسنّدة في القبور اللّاطئة الملحدة، فمحلّها مقترب، و ساكنها مغترب، بين أهل عمارة موحشين و أهل محلّة متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، و لا يتواصلون تواصل الجيران و الإخوان، على ما كان بينهم من قرب الجوار و دنوّ الدّار بالدّيار،
[١] السجل- بفتح السين-: الدلو الملأى ماء و يجمع على سجال- بكسر السين- و الحرب بيننا سجال اى مرة لنا و مرة علينا و أصله أن المستقين بالسجل يكون لكل واحد منهم سجل. (النهاية)
[٢] الحمام- بالكسر- الموت.
[٣] همدت النار اى خمدت.
المحجة