المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٧
للكفّار في هذا الغرور لأنّهم آثروا الحياة الدّنيا على الآخرة، نعم و أمرهم أخفّ لأنّ أصل الإيمان يعصمهم عن عقاب الأبد فيخرجون من النار، و لو بعد حين و لكنّهم أيضا مغرورون فإنّهم اعترفوا بأنّ الآخرة خير من الدّنيا و لكنّهم مالوا إلى الدّنيا و آثروها و مجرّد الإيمان لا يكفي للفوز قال اللَّه تعالى: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [١] و قال: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [٢] و قال النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم للأعرابيّ: «الإحسان أن تعبد اللَّه كأنّك تراه» [٣] و قال تعالى: وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ [٤]. فوعد المغفرة في جميع كتاب اللَّه منوط بالإيمان و العمل الصّالح جميعا لا بالإيمان وحده فهؤلاء أيضا مغرورون أعني المطمئنّين إلى الدّنيا، الفرحين بها، المترفين بنعيمها، المحبّين لها، الكارهين للموت خيفة فوات لذّات الدّنيا دون الكارهين له خيفة لما بعده، فهذا مثال المغرور بالدّنيا من الكفّار و المؤمنين جميعا.
و لنذكر للغرور باللَّه مثالين من غرور الكافرين و العاصين فأمّا غرور الكفّار باللَّه فمثاله قول بعضهم في أنفسهم و بألسنتهم أنّه إن كان للَّه من معاد فنحن أحقّ به من غيرنا و نحن أوفر حظّا فيه و أسعد حالا كما أخبر اللَّه تعالى عنه من قول الرّجلين المتحاورين إذ قال: وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً [٥] و جملة أمرهما كما نقل في التفسير أنّ الكافر منهما بني قصرا بألف دينار و اشترى بستانا بألف دينار، و اشترى خدما بألف دينار و تزوّج امرأة على ألف دينار و في ذلك كلّه يعظه المؤمن و يقول: اشتريت قصرا يخرب و يفنى ألا اشتريت قصرا في الجنّة، و اشتريت بستانا يخرب و يفنى ألا اشتريت بستانا في الجنّة لا تفنى، و خدما لا يفنون و لا يموتون، و زوجة من الحور العين لا تموت، و في كلّ ذلك يردّ عليه الكافر و يقول: ما هناك شيء و ما قيل من ذلك فهو أكاذيب و إن كان
[١] طه: ٨٥.
[٢] الأعراف: ٥٥.
[٣] أخرجه البخاري ج ٦ ص ١٤٤ و قد تقدم في المجلد الأول.
[٤] العصر: ١ إلى ٣.
[٥] الكهف: ٣٥.
المحجة