المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٥
المؤمنين و ليقينه مدركان: أحدهما الإيمان و التّصديق تقليدا للأنبياء و العلماء و ذلك أيضا يزيل الغرور و هو مدرك يقين العوام و أكثر الخواصّ، و مثالهم مثال مريض لا يعرف دواء علّته و قد اتّفق الأطبّاء و أهل الصّناعة من عند آخرهم على أنّ دواءه النبت الفلاني فإنّه تطمئنّ نفس المريض إلى تصديقهم و لا يطالبهم بتصحيح ذلك بالبراهين، بل يثق بقولهم و يعمل به و لو بقي سواديّ أو معتوه يكذّبهم في ذلك و هو يعلم بالتواتر و قرائن الأحوال أنّهم أكثر منه عددا و أغزر منه فضلا و أعلم بالطبّ منه، بل لا علم له بالطّبّ فيعلم كذبه بقولهم و لا يعتقد كذبهم بقوله و لا يغترّ في علمه بسببه و لو اعتمد على قوله و ترك قول الأطبّاء كان معتوها مغرورا، فكذلك من نظر إلى المقرّين بالآخرة و المخبرين عنها و القائلين بأنّ التّقوى هو الدّواء النافع في الوصول إلى سعادتها وجدهم خير خلق اللَّه و أعلاهم رتبة في البصيرة و المعرفة و العقل، فهم الأنبياء و الأولياء و الحكماء و العلماء و اتّبعهم عليه الخلق على أصنافهم و شذّ منهم آحاد من البطّالين، غلبت عليهم الشهوة، و مالت نفوسهم إلى التمتّع، فعظم عليهم ترك الشهوات و عظم عليهم الاعتراف بأنّهم من أهل النّار فجحدوا الآخرة و كذّبوا الأنبياء، فكما أنّ قول الصبيّ و قول السواديّ لا يزيل طمأنينة القلب إلى ما اتّفق عليه الأطبّاء، فكذلك قول هذا الغبيّ الّذي استرقته الشهوات لا يشكّ في صحّة أقوال الأنبياء و العلماء، و هذا القدر من الإيمان كاف لجملة الخلق و هو يقين جازم مستحثّ على العمل لا محالة و الغرور يزول به.
و أمّا المدرك الثاني لمعرفة الآخرة فهو الوحي و الإلهام فالوحي للأنبياء و الإلهام للاولياء و لا تظننّ أنّ معرفة النبيّ لأمر الآخرة و لأمور الدّين تقليد لجبرئيل بالسماع منه كما أنّ معرفتك تقليد للنبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم حتّى تكون معرفتك كمعرفته و إنّما يختلف المقلّد فقطّ، و هيهات فإنّ التقليد ليس بمعرفة بل هو اعتقاد صحيح و الأنبياء عارفون و معنى معرفتهم أنّه كشف لهم حقيقة الأشياء كما هي عليها و شاهدوها بالبصيرة الباطنة كما تشاهد أنت المحسوسات بالبصر الظاهر فيخبرون عن مشاهدة لا عن سماع و تقليد و ذلك بأن يكشف لهم عن حقيقة الرّوح و أنّه من
المحجة