المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٤
جزء من الآخرة، فكأنّه ترك واحدا ليأخذ ألف ألف بل ليأخذ ما لا نهاية له، و لا حدّ و إن نظر من حيث النوع رأى لذّات الدّنيا مكدّرة مشوبة بأنواع المنغّصات، و لذّات الآخرة صافية غير مكدّرة، فإذن قد غلط في قوله «النقد خير من النسيئة» و هذا غرور منشؤه قبول لفظ عامّ مشهورا طلق و أريد به خاصّ، فغفل المغرور عن خصوص معناه فإنّ من قال: «النقد خير من النسيئة» أراد به خير من نسيئة هي مثله و إن لم يصرّح به، و عند هذا يفزع الشيطان إلى القياس الآخر و هو أنّ اليقين خير من الشكّ و الدّنيا يقين و الآخرة شكّ، و هذا القياس أكثر فسادا من الأوّل لأنّ كلا أصليه باطل إذ اليقين خير من الشكّ إذا كان مثله و إلّا فالتاجر في تعبه على يقين و في ربحه على شكّ، و المتفقّه في اجتهاده على يقين و في إدراكه رتبة العلم على شكّ، و الصيّاد في تردّده في المقتنص على يقين و في اقتناصه الظفر بالصيد على شكّ، و كذلك الحزم دأب العقلاء بالاتفاق و كلّ ذلك ترك لليقين بالشكّ، و لكنّ التاجر يقول: إنّي إن لم أتّجر بقيت جائعا و عظم ضرري و إن اتّجرت كان تعبي قليلا و ربحي كثيرا و كذلك المريض يشرب الدّواء البشع الكرية و هو من الشفاء على شكّ و من مرارة الدّواء على يقين و لكن يقول: ضرر مرارة الدّواء قليل بالإضافة إلى ما أخافه من المرض و الموت. و كذلك من شكّ في الآخرة فواجب عليه بحكم الحزم أن يقول: أيّام الصبر قلائل و هو منتهى العمر بالإضافة إلى ما يقال من أمر الآخرة، فإن كان ما قيل فيه كذبا فما يفوتني إلّا التنعّم أيّام حياتي و قد كنت في العدم من الأزل إلى الآن لا أتنعّم فأحسب أنّي بقيت في العدم و إن كان ما قيل صدقا فأبقى في النار أبد الآباد و هذا لا يطاق، و لذلك قال عليّ عليه السّلام لبعض الملحدين: «إن كان ما قلته حقّا فقد تخلّصت و تخلّصنا و إن كان ما قلناه حقّا فقد تخلّصنا و هلكت» [١] و ما قال: هذا عن شكّ منه في الآخرة و لكن كلّم الملحد على قدر عقله و بيّن له أنّه و إن لم يكن متيقّنا فهو مغرور، و أمّا الأصل الثّاني من كلامه و هو أنّ الآخرة شكّ فهو أيضا خطأ بل ذلك يقين عند
[١] راجع الكافي ج ١ ص ٧٨ مروى نحوه عن الصادق و الرضا (ع) جوابا للزنديق.
المحجة