المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٣
ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [١] و في قوله: وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى [٢] و قوله: وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى [٣] و قوله: وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [٤] و قوله: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [٥].
و قد أخبر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم طوائف من الكفّار بذلك فقلّدوه و صدّقوه و آمنوا به و لم يطالبوه بالبرهان [٦] و منهم من قال: نشدتك اللَّه أبعثك اللَّه رسولا فكان يقول:
نعم فيصدّق [٧] و هذا إيمان العامّة و هو يخرج من الغرور و ينزل هذا منزلة تصديق الصبيّ والده في أنّ حضور المكتب خير من حضور الملعب مع أنّه لا يدري وجه كونه خيرا، و أمّا المعرفة بالبيان و البرهان فهو أن يعرف وجه فساد هذا القياس الّذي نظمه في قلبه الشيطان فإنّ كلّ مغرور فلغروره سبب و ذلك السبب هو دليلى و كلّ دليل فهو نوع قياس يقع في النفس و يورث السكون إليه و إن كان صاحبه لا يشعر به و لا يقدر على نظمه بألفاظ العلماء، فالقياس الّذي نظمه الشيطان فيه أصلان:
أحدهما أنّ الدّنيا نقد و الآخرة نسيئة، و هذا صحيح، و الآخر أنّ النقد خير من النسيئة، و هذا محلّ التلبيس فليس الأمر كذلك، بل إن كان النقد مثل النسيئة في المقدار و المقصود فهو خير و إن كان أقلّ منها فالنسيئة خير فإنّ الكافر المغرور يبذل في تجارته درهما ليأخذ عشرة نسيئة و لا يقول النقد خير من النسيئة فلا أتركه، و إذا حذّره الطبيب الفواكه و لذائذ الأطعمة تركها في الحال خوفا من ألم المرض في المستقبل و قد ترك النقد و رضي بالنسيئة، و التجّار كلّهم يركبون البحار و يتعبون في الأسفار نقدا لأجل الرّاحة و الربح نسيئة، فإن كان عشرة في ثاني الحال خيرا من واحد في الحال فانسب لذّة الدّنيا من حيث مدّتها إلى مدّة الآخرة فإنّ أقصى عمر الإنسان مائة سنة و ليس هو عشر عشير جزء من ألف ألف
[١] النحل: ٩٩.
[٢] القصص: ٦١.
[٣] الأعلى: ١٨.
[٤] آل عمران: ١٨٣.
[٥] فاطر: ٦.
[٦] كايمان الأنصار و جلة أهل المدينة.
[٧] كايمان ضمام بن ثعلبة أخرجه أحمد ج ١ ص ٢٦٤ و راجع اسد الغابة ج ٣ ص ٤٣.
المحجة