المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨٨
و قد أخبر رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم أنّ ذلك يغلب على آخر هذه الامّة و بذلك هلك الأمم السالفة إذ افترقت فرقا [١] و كلّ معجب برأيه و كلّ حزب بما لديهم فرحون و جميع أهل البدع و الضلال إنّما أصرّوا عليها بعجبهم بآرائهم و العجب بالبدعة هو استحسان ما يسوق إليه الهوى و الشهوة مع ظنّ كونه حقّا و علاج هذا العجب أشدّ من غيره لأنّ صاحب الرأي الخطأ جاهل بخطائه، و لو عرفه لتركه و لا يعالج الدّاء الّذي لا يعرف، و الجهل داء لا يعرف فتعسّر مداواته جدّا لأنّ العارف يقدر على أن يبيّن للجاهل جهله و يزيله عنه إلّا إذا كان معجبا برأيه و جهله فإنّه لا يصغى إلى العارف و يتّهمه فقد سلّط اللَّه عليه بليّة تهلكه و هو يظنّها نعمة فكيف يمكن علاجه و كيف يطلب الهرب ممّا هو سبب سعادته في اعتقاده و إنّما علاجه على الجملة أن يكون متّهما لرأيه أبدا لا يغترّ به إلّا أن يشهد له قاطع من كتاب اللَّه أو سنّة أو دليل عقلي صحيح جامع لشروط الأدلّة، و لن يعرف الإنسان أدلّة الشرع و العقل و شروطها و مكامن الغلط فيها إلّا بقريحة تامّة و عقل ثاقب و جدّ و تشمّر في الطلب و ممارسة للكتاب و السنّة و مجالسته لأهل العلم طول العمر و مدارسة العلوم، و مع ذلك فلا يؤمن عليه الغلط في بعض الأمور و الصواب لمن لم يتفرّغ لاستغراق عمره في العلم أن لا يخوض في المذاهب و لا يصغى إليها و لا يسمعها و لكن يعتقد أن اللَّه واحد لا شريك له و أنّه ليس كمثله شيء و هو السميع البصير و أنّ رسوله صادق فيما أخبر به و يتّبع سنّة السلف.
(١) أقول: بل يتبع سنّة أئمّة الهدى من أهل بيت النبيّ صلوات اللَّه و سلامه عليه و عليهم خاصّة دون غيرهم من السلف كما عرفت غير مرّة.
قال: و يؤمن بجملة ما جاء به الكتاب و السنّة من غير بحث و تفتيش و سؤال عن تفصيل بل يقول: آمنّا و صدّقنا و يشتغل بالتقوى و اجتناب المعاصي و أداء الطاعات و الشفقة على المسلمين و سائر الأعمال، فإن خاض في المذاهب و البدع و التعصّب في العقائد هلك من حيث لا يشعر. هذا حقّ كلّ من عزم على أن يشتغل في عمره بشيء
[١] تقدم كرارا و هو جزء من حديث أبي ثعلبة «إذا رأيت شحا مطاعا الحديث».
المحجة