المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨٤
«وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا» ثمّ بيّن أنّ الشرف بالتقوى لا بالنسب فقال:
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [١] و لمّا قيل لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: من أكرم الناس؟
من أكيس الناس؟ لم يقل من ينتمي إلى نسبي و لكن قال: «أكثرهم للموت ذكرا و أشدّهم له استعدادا»[١]و إنّما نزلت هذه الآية حين أذّن بلال يوم الفتح على الكعبة فقال الحارث بن هشام و سهيل بن عمرو و خالدين اسيد: هذا العبد الأسود يؤذّن فقال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ[٢].
و قال النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «إنّ اللَّه قد أذهب عنكم عيبة الجاهليّة- أي كبرها- كلّكم بنو آدم و آدم من تراب» [٢].
و قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «يا معشر قريش يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة و تأتوني بالدّنيا تحملونها على رقابكم و تقولون: يا محمّد يا محمّد فأقول: هكذا»[٣]أي أعرض عنكم فبيّن أنّهم أنّ مالوا إلى الدّنيا لم ينفعهم نسب قريش.
و لمّا نزل قوله تعالى: «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» [٣] ناداهم بطنا بعد بطن حتّى
[١] أخرج ابن ماجه في السنن تحت رقم ٤٢٥٩ بسند مجهول عن ابن عمر أنه قال: كنت مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله فجاءه رجل من الأنصار. فسلم على النبي صلّى اللَّه عليه و آله. ثم قال: يا رسول اللَّه أي المؤمنين أفضل؟ قال: «أحسنهم خلقا» قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرا، و أحسنهم لما بعده استعدادا أولئك الاكياس» و بهذه الزيادة رواه ابن أبي الدنيا في ذكر الموت آخر الكتاب.
[٢] أخرج ابن المنذر و ابن أبي حاتم و البيهقي في الدلائل عن ابن أبي مليكة قال: لما كان يوم الفتح رقى بلال فأذن على الكعبة فقال: بعض الناس هذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة و قال: بعضهم ان يسخط اللَّه هذا يغيره فنزلت «يا أَيُّهَا النَّاسُ*- الآية-» راجع الدر المنثور ج ٦ ص ٩٨.
[٣] أخرجه الطبراني من حديث عمران بن حصين الا أنه قال: «يا معشر بني هاشم» و سنده ضعيف.
[١] الحجرات: ١٣.
[٢] أخرجه أبو داود ج ٢ ص ٦٢٤ و العبية- كامنية-: الكبر و النخوة و الفخر.
[٣] الشعراء: ٢١٧.
المحجة