المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨٣
و يورث العجب بالقوّة الهجوم في الحروب و إلقاء النفس في التهلكة و المبادرة إلى الضرب و القتل لمن قصده بالسوء و علاجه ما ذكرناه و هو أن يعلم أنّ حمّى يوم تضعف قوّته و أنّه إذا أعجب بها ربما سلبها اللَّه تعالى بأدنى آفة يسلّطها عليه.
الثالث العجب بالعقل و الكياسة
و التفطّن لدقائق الأمور من مصالح الدّين و الدّنيا و ثمرته الاستبداد بالرأي و ترك المشورة و استجهال الناس المخالفين له و لرأيه و يخرج إلى قلّة الإصغاء إلى أهل العلم إعراضا عنهم بالاستغناء بالرأي و العقل و استحقارا لهم و إهانة و علاجه أن يشكر اللَّه على ما رزق من العقل و يتفكّر أنّه بأدنى مرض يصيب دماغه كيف يوسوس و يجنّ بحيث يضحك الناس منه، و لا يأمن أن يسلب عقله إن أعجب به و لم يقم بشكره، و ليستقصر عقله و علمه و ليعلم أنّه ما أوتي من العلم إلّا قليلا و إن اتّسع علمه و أنّ ما جهله ممّا عرفه الناس أكثر ممّا علمه فكيف بما لم يعرفه الناس من علم اللَّه تعالى و أن يتّهم عقله و ينظر إلى الحمقى كيف يعجبون بعقولهم و يضحك الناس منهم، فيحذر أن يكون منهم و هو لا يدري فإنّ قاصر العقل قطّ لا يعلم قصور عقله فينبغي أن يعرف مقدار عقله من غيره لا من نفسه و من أعدائه لا من أصدقائه، فإنّ من يداهنه يثني عليه فيزيده عجبا و هو لا يظنّ بنفسه إلّا الخير و لا يفطن بجهل نفسه فيزداد به عجبا.
الرابع العجب بالنسب الشريف
كعجب الهاشميّة حتّى يظنّ بعضهم أنّه ينجو بسبب شرف نسبه و نجات آبائه و أنّه مغفور له و يتخيّل بعضهم أنّ جميع الخلق له موال و عبيد و علاجه أن يعلم أنّه مهما خالف آباءه في أفعالهم و أخلاقهم فظنّ أنّه ملحق بهم فقد جهل و إن اقتدى بآبائه فما كان من أخلاقهم العجب بل الخوف و الإزراء على النفس و استعظام الخلق و مذمّة النفس و لقد شرّفوا بالطاعة و العلم و الخصال المحمودة لا بالنسب فليتشرّف بما شرّفوا به و قد ساواهم في النسب و شاركهم في القبائل من لم يؤمن باللَّه، فكانوا عند اللَّه شرّا من الكلاب و أخسّ من الخنازير، و لذلك قال اللَّه تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى» اي لا تفاوت في أنسابكم لاجتماعكم في أصل واحد، ثمّ ذكر فائدة النسب فقال:
المحجة