المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨١
أشار عليّ عليه السّلام حيث قيل له: ما بال العقلاء فقراء؟ فقال: «إنّ عقل الرّجل محسوب عليه من رزقه، و العجب أنّ العاقل الفقير ربّما يرى الجاهل الغنيّ أحسن حالا من نفسه و لو قيل له: هل تؤثر جهله و غناه عوضا من عقلك و فقرك لامتنع عنه فإذن ذلك يدلّ على أنّ نعمة اللَّه عليه أكبر فلم يتعجّب منه و المرأة الحسناء الفقيرة ترى الحليّ و الجواهر على الدّميمة القبيحة فتتعجّب و تقول: كيف يحرم مثل هذا الجمال من الزّنية و يخصّص به مثل هذا القبيح و لا تدري المغرورة أنّ الجمال محسوب عليها من رزقها و أنّها لو خيّرت بين الجمال مع الفقر و بين القبح مع الغنى لآثرت الجمال فإذا نعمة اللَّه عليها أكبر. و قول الحكيم العاقل الفقير بقلبه يا ربّ لم حرمتني الدّنيا و أعطيتها الجهّال كقول من أعطاه الملك فرسا فيقول: أيّها الملك لم لا تعطيني الغلام و أنا صاحب فرس فيقول: كنت لا تتعجّب من هذا لو لم أعطك الفرس فهب أنّي ما أعطيتك فرسا أ صارت نعمتي عليك وسيلة لك و حجّة تطلب بها نعمة أخرى فهذه أوهام لا تخلو الجهّال عنها و منشؤ جميع ذلك الجهل و يزال ذلك بالعلم المحقّق بأنّ العبد و عمله و أوصافه كلّ ذلك من عند اللَّه نعمة ابتدأه بها قبل الاستحقاق و هذا ينفي العجب و الإدلال و يورث الخضوع و الشكر و الخوف من زوال النعمة و من عرف هذا لم يتصوّر أن يعجب بعلمه و عمله إذ يعلم أنّ ذلك من اللَّه تعالى و لذلك لمّا اتّكل أصحاب رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم يوم حنين على قوّتهم و كثرتهم و نسوا فضل اللَّه عليهم قالوا: لا نغلب اليوم من قلّة. وكلوا إلى أنفسهم فقال تعالى: «وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ»[١].
و روى ابن عيينة أنّ أيّوب عليه السّلام قال: إلهي إنّك ابتليتني بهذا البلاء و ما ورد عليّ أمر إلّا آثرت هواك على هواي فنودي من غمامة بعشرة آلاف صوت يا أيّوب أنّى لك ذلك؟- أي من أين لك ذلك- قال: فأخذ رمادا فوضعه على رأسه و قال: «منك
[١] الآية في سورة التوبة: ٢٦ و أخرج البيهقي في الدلائل عن الربيع أن رجلا قال: يوم حنين لن نغلب من قلة فشق ذلك على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله فأنزل اللَّه عز و جل: «وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ» راجع الدر المنثور ج ٣ ص ٢٢٤.
المحجة