المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨٠
و حول حيطانها ألف سنة لم يمكنك أن تنظر إلى دينار ممّا فيها و لو أعطاك المفتاح لأخذته من قرب بأن تبسط يدك إليه فتأخذه فقط فإذا أعطاك الخازن المفاتيح و سلّطك عليها و مكّنك منها فمددت اليد و أخذتها أ كان إعجابك بإعطاء الخازن المفاتيح أو بما إليك من مدّ اليد إليه و أخذه؟ فلا تشكّ في أنّك ترى ذلك نعمة من الخازن لأنّ المئونة في تحريك اليد إليه لأخذ المال قريبة و إنّما الشأن كلّه في تسليم المفاتيح فكذلك مهما خلقت القدرة و سلّطت الإرادة الجازمة و حركت الدّواعي و البواعث و صرفت عنك الموانع و الصوارف حتّى لم يبق صارف إلّا دفع و لا باعث إلّا وكّل بك فالعمل هيّن عليك، و تحريك البواعث و صرف العوائق و تهيئة الأسباب كلّها من اللَّه تعالى ليس شيء منها إليك فمن العجائب أن تعجب بنفسك و لا تعجب ممّن إليه الأمر كلّه و لا تعجب بجوده و فضله و كرمه في إيثاره إيّاك على الفسّاق من عباده إذ سلّط دواعي الفساد على الفسّاق و صرفها عنك و سلّط أقران السوء و دعاة الشرّ عليهم و صرفهم عنك و مكّنهم من أسباب الشهوات و اللّذات و زواها عنك و صرف عنهم بواعث الخير و دواعيه و سلّطها عليك حتّى تيسّر لك الخير و تيسّر لهم الشرّ، فعل ذلك كلّه بك من غير وسيلة سابقة منك و لا جريمة سابقة من الفاسق العاصي بل آثرك و قدّمك و اصطفاك بفضله و أبعد العاصي و أشقاه بعدله فما أعجب إعجابك بنفسك إذا عرفت ذلك فإذن لا تنصرف قدرتك إلى المقدور إلّا بتسليط اللَّه عليك داعية لا تجد سبيلا إلى مخالفتها فكأنّه الّذي اضطرّك إلى الفعل إن كنت فاعلا تحقيقا فله الشكر و المنّة لا لك. و سيأتي في كتاب التوحيد و التوكّل من بيان تسلسل الأسباب و المسبّبات ما تستبين به أنّه لا فاعل إلّا اللَّه و لا خالق سواه، و العجب ممّن يتعجّب إذا رزقه اللَّه عقلا و أفقره ممّن أفاض اللَّه عليه المال من غير علم فيقول: كيف منعني قوت يومي و أنّا العاقل الفاضل و أفاض عليه نعيم الدّنيا و هو الجاهل الغافل حتّى يكاد يرى هذا ظلما و لا يدري المغرور أنّه لو جمع له بين العقل و المال جميعا لكان ذلك بالظلم أشبه في ظاهر الحال إذ يقول الجاهل الفقير: يا ربّ لم جمعت له بين العقل و الغنى و منعتني و حرمتني منهما؟ فهلّا جمعتهما لي؟ و هلا رزقتني أحدهما؟ و إلى هذا
المحجة