المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦٨
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [١] وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [٢] فمتى زال الإشفاق و الحذر ممّا سبق به القضاء في الأزل و ينكشف عند خاتمة الأجل غلب الأمن من مكر اللَّه و ذلك يوجب الكبر و هو سبب الهلاك، فالكبر دليل الأمن و الأمن مهلك، و التواضع دليل الخوف و هو مسعد، فإذن ما يفسده العابد بإضمار الكبر و احتقار الخلق و النّظر إليهم بعين الاستصغار أكثر ممّا يصلحه بظاهر الأعمال،
فهذه معارف بها يزال داء الكبر عن القلب لا غير، إلّا أنّ النّفس بعد هذه المعرفة قد تضمر التواضع و تدعى البراءة من الكبر و هي كاذبة فإذا وقعت الواقعة عادت النّفس إلى طبعها و نسيت وعدها فعن هذا لا ينبغي أن يكتفي في المداواة بمجرّد المعرفة بل ينبغي أن يكمل المعرفة بالعمل و يجرّب نفسه بأعمال المتواضعين في مواقع هيجان الكبر من النّفس
و بيانه أن يمتحن النّفس بخمس امتحانات
هي أدلّة على استخراج ما في الباطن و إن كانت الامتحانات كثيرة.
الامتحان الاوّل أن يناظر في مسألة مع واحد من أقرانه
فإن ظهر شيء من الحقّ على لسان صاحبه فثقل عليه قبوله و الانقياد له و الاعتراف به و الشكر له على تنبيهه و تعريفه و إخراجه الحقّ فذلك يدلّ على أنّ فيه كبرا دفينا فليتّق اللَّه فيه و ليشتغل بعلاجه إمّا من حيث العلم فبأن يذكّر نفسه خسّة نفسه و خطر عاقبته و أنّ الكبر لا يليق إلّا باللَّه تعالى، و إمّا من حيث العمل فبأن يكلّف نفسه ما يثقل عليه من الاعتراف بالحقّ فيطلق اللّسان بالحمد و الثّناء و يقرّ على نفسه بالعجز و يشكره على الاستفادة و يقول: ما أحسن ما فطنت له و قد كنت غافلا عنه فجزاك اللَّه خيرا كما نبّهتني له فالحكمة ضالّة المؤمن فإذا وجدها ينبغي أن يشكر من دلّه عليها، فإذا واظب على ذلك مرّات متوالية صار ذلك له طبعا و سقط ثقل الحقّ عن قلبه و طاب له قبوله، و مهما ثقل عليه الثناء على أقرانه بما فيهم ففيه كبر فإن كان ذلك لا يثقل عليه في الخلوة و يثقل في الملإ فليس فيه كبر و إنّما فيه رياء فليعالج الرّياء بما ذكرناه من قطع الطمع عن النّاس و يذكّر القلب بأن منفعته
[١] الأنبياء: ٢١.
[٢] الأنبياء: ٢٩.
المحجة البيضاء، جلد٦، ص: ٢٦٩
في كماله في ذاته و عند اللَّه لا عند الخلق، إلى غير ذلك من أدوية الرّياء و إن ثقل عليه ذلك في الخلوة و الملإ جميعا ففيه الكبر و الرّياء جميعا و لا ينفعه الخلاص من أحدهما ما لم يتخلّص من الثاني فليعالج كلا الدّاءين فإنّهما جميعا مهلكان.
الامتحان الثاني أن يجتمع مع الأقران و الأمثال في المحافل
و يقدّمهم على نفسه و يمشي خلفهم و يجلس في الصّدور تحتهم، فإن ثقل ذلك عليه فهو متكبّر فليواظب عليه تكلّفا حتّى يسقط عنه ثقله فبذلك يزايله الكبر، و هاهنا للشيطان مكيدة و هي أن يجلس في صفّ النّعال أو يجعل بينه و بين الأقران بعض الأرذال فيظنّ أنّ ذلك تواضع و هو عين الكبر فإنّ ذلك يخفّ على نفوس المتكبّرين إذ يوهمون أنّهم إنّما تركوا مكانهم بالاستحقاق و التفضّل فيكون قد تكبّر، و تكبّر بإظهار التواضع أيضا، بل ينبغي أن يقدّم أقرانه و يجلس تحتهم و لا ينحطّ عنهم إلى صفّ النعال فذلك هو الّذي يخرج خبث الكبر من الباطن.
الامتحان الثالث أن يجيب دعوة الفقير
و يمرّ إلى السّوق في حاجة الرّفقاء و الأقارب فإن ثقل ذلك عليه فهو كبر فإنّ هذه الأفعال من مكارم الأخلاق و الثواب عليها جزيل فنفور النّفس عنها ليس إلّا لخبث في الباطن فليشتغل بإزالته بالمواظبة عليه مع تذكّر جميع ما ذكرناه من المعارف الّتي تزيل داء الكبر.
الامتحان الرّابع أن يحمل حاجة نفسه و حاجة أهله و رفقائه من السّوق إلى البيت
فإن أبت نفسه ذلك فهو كبر أو رياء فإن كان يثقل ذلك عليه مع خلوّ الطريق فهو كبر فإن كان لا يثقل إلّا عند مشاهدة الناس فهو رياء، و كلّ ذلك من أمراض القلب و علله المهلكة له إن لم تتدارك.
[١] أقول: ليس كلّ رياء مذموما بل قد يكون مستحبّا بل واجبا إذ يجب على المؤمن صيانة عرضه و أن لا يفعل ما يعاب عليه فلا يليق بذوي المروّات أن يرتكبوا الأمور الخسيسة بأنفسهم عند مشاهدة الناس و إن جاز لهم في الخلوة إلّا أنّ ذلك يختلف باختلاف الأزمنة و البلاد و الأشخاص فلا بدّ من مراعاة ذلك روي في الكافي [١]
[١] المصدر ج ٢ ص ١٢٣ تحت رقم ١٠.
المحجة