المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦٥
و ولد هو قرّة عينه و قد وكّل الغلام بالولد ليراقبه و أمره بأن يضربه مهما أساء أدبه، و اشتغل بما لا يليق به و يغضب عليه، فإن كان الغلام مطيعا محبّا لمولاه فلا يجد بدّا من أن يغضب مهما رأى ولده قد أساء الأدب، و إنّما يغضب عليه لمولاه و لأنّه يريد التقرّب بامتثال أمره إليه، و لأنّه جرى من ولده ما يكره مولاه فيضرب ولده و يغضب عليه من غير تكبّر له عليه بل هو متواضع له يرى قدره عند مولاه فوق قدر نفسه لأنّ الولد أعزّ لا محالة من الغلام فإذن ليس من ضرورة الغضب التكبّر و عدم التواضع، فكذلك يمكنك أن تنظر إلى المبتدع و الفاسق و تظنّ أنّه ربما كان قدرهما عند اللَّه في الآخرة أعظم لما سبق لهما من الحسني في الأزل و لما سبق لك من سوء القضاء في الأزل و أنت غافل عنه و مع ذلك فتغضب بحكم الأمر محبّة لمولاك إذا جرى ما يكرهه مع التواضع لمن يجوز أن يكون عند اللَّه أقرب منك في الآخرة فهكذا يكون بعض العلماء الأكياس فينضمّ إليه الخوف و التواضع، و أمّا المغرور فإنّه يتكبّر و يرجو لنفسه أكثر ممّا يرجوه لغيره مع جهله بالعاقبة و ذلك غاية الغرور فهذا سبيل التواضع لمن عصى اللَّه أو اعتقد البدعة مع الغضب عليه و مجانبته بحكم الأمر.
السّبب السّابع التكبّر بالورع و العبادة
و ذلك أيضا فتنة عظيمة على العبّاد، و سبيله أن يلزم قلبه التواضع لسائر العباد و هو أن يعلم أنّ من يتقدّم عليه بالعلم لا ينبغي أن يتكبّر عليه كيف ما كان لما عرفه من فضيلة العلم و قد قال اللَّه تعالى هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [١] و قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي» [٢] إلى غير ذلك ممّا ورد في فضل العالم، فإن قال: العابد ذلك لعالم العامل بعلمه و هذا عالم فاجر؟ فيقال له: أما علمت أنّ الحسنات يذهبن السيئات و كما أنّ العلم يمكن أن يكون حجّة على العالم فيمكن أن يكون وسيلة له و كفّارة لذنوبه و كلّ واحد منهما ممكن، و قد وردت
[١] الزمر: ٩.
[٢] أخرجه الترمذي ج ١٠ ص ١٥٧ من حديث أبي امامة الباهلي و قد تقدم في كتاب العلم.
المحجة