المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦٣
مثلا إن تصوّر ذلك و بهذا زال الكبر عن الأنبياء إذ علموا أنّ من نازع اللَّه في رداء الكبرياء قصمه و قد أمرهم بأن يصغّروا أنفسهم حتّى يعظم عند اللَّه محلّهم، فهذا أيضا ممّا يبعثه على التواضع لا محالة.
فإن قلت: فكيف يتواضع للفاسق المتظاهر بالفسق و للمبتدع؟ و كيف يرى نفسه دونهم و هو عالم عابد؟ و كيف يجهل فضل العلم و العبادة عند اللَّه عزّ و جلّ؟
و كيف يغنيه أن يخطر بباله خطر العلم و هو يعلم أنّ خطر الفاسق و المبتدع أكثر؟
فاعلم أنّ ذلك إنّما يمكن بالتفكّر في خطر الخاتمة، بل لو نظر إلى كافر لم يمكنه أن يتكبّر عليه إذ يتصوّر أن يسلم الكافر فيختم له بالإيمان و يضلّ هذا العالم فيختم له بالكفر، و الكبير من هو كبير عند اللَّه في الآخرة و الكلب و الخنزير أعلى رتبة ممّن هو عند اللَّه من أهل النّار و هو لا يدري ذلك، فالعواقب مطويّة عن العباد و لا ينظر العاقل إلّا إلى العاقبة و جميع الفضائل في الدّنيا إنّما تراد للعاقبة فإذن من حقّ العبد أن لا يتكبّر على أحد، بل إن نظر إلى جاهل قال: إنّه عصى اللَّه بجهل و أنا عصيت اللَّه بعلم فهو أعذر منّي، و إن نظر إلى عالم فيقول: إنّه قد علم ما لم أعلم فكيف أكون مثله، و إن نظر إلى كبير هو أكبر منه سنّا قال: هذا قد أطاع اللَّه قبلي فكيف أكون مثله، و إن نظر إلى صغير قال: إنّي عصيت اللَّه قبله فكيف أكون مثله، و إن نظر إلى مبتدع أو كافر قال: ما يدريني لعلّه يختم له بالإسلام و يختم لي بما هو عليه الآن فليس دوام الهداية إليّ كما لم يكن ابتداؤها إليّ فبملاحظة الخاتمة يقدر أن ينفي الكبر عن نفسه و كلّ ذلك بأن يعلم أنّ الكمال في سعادة الآخرة و القرب من اللَّه لا فيما يظهر في الدّنيا ممّا لا بقاء له و لعمري هذا الخطر مشترك بين المتكبّر و المتكبّر عليه و لكن حقّ على كلّ واحد أن يكون مصروف الهمّ إلى نفسه، مشغول القلب بخوفه لعاقبته لا أن يشتغل بخوف غيره، فإنّ الشفيق بسوء الظنّ مولع و شفقة كلّ إنسان على نفسه، فإذا حبس جماعة في جناية و أو عدوا بأن تضرب رقابهم لم يتفرّقوا لتكبّر بعضهم على بعض و إن عمّهم الخطر، إذ شغل كلّ واحد منهم همّ نفسه عن الالتفات إلى همّ غيره حتّى كان كلّ
المحجة