المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦٢
من خطر غيره كما أنّ قدره أعظم من قدر غيره فهذا بذلك، و هو كالملك المخاطر بروحه في ملكه لكثرة أعدائه فإنّه إذا أخذ و قهر اشتهى أن يكون قد كان فقيرا، فكم من عالم يشتهي في الآخرة سلامة الجهّال و العياذ باللَّه فهذا الخطر يمنع التكبّر لأنّه إن كان من أهل النّار فالخنزير أفضل منه فكيف يتكبّر من هذا حاله، فلا ينبغي أن يكون العالم أكبر عند نفسه من الصحابة؟ و قد كان بعضهم يقول:
يا ليتني لم تلدني أمّي، و يأخذ الآخر تبنة من الأرض و يقول: يا ليتني كنت هذه التبنة، و يقول الآخر: يا ليتني كنت طيرا، كلّ ذلك خوفا من خطر العاقبة فكانوا يرون أنفسهم أسوأ حالا من الطير و من التراب و مهما أطال فكره في الخطر الّذي هو بصدده زال بالكلّية كبره و رأى نفسه كأنّه شرّ الخلق. و مثاله مثال عبد أمره سيّده بامور فشرع فيها و ترك بعضها و أدخل النقصان في بعضها و شكّ في بعضها أنّه هل أدّاها كما يرتضيه مولاه أم لا فأخبر مخبر أنّ مولاه مرسل إليه رسولا يخرجه من كلّ ما هو فيه عريانا ذليلا و يلقيه على بابه في الشمس و الحرّ زمانا طويلا حتّى إذا ضاق عليه الأمر و بلغ به الجهد أمر برفع حسابه و فتّش عن جميع أعماله قليلها و كثيرها ثمّ أمر به إلى سجن ضيق و عذاب دائم لا يروح عنه ساعة، و قد علم أنّ سيّده قد فعل بطوائف من عبيده مثل ذلك و عفى عن بعضهم و هو لا يدري في أيّ الفريقين يكون فإذا تفكّر في ذلك انكسرت نفسه و ذلّ و بطل عزّه و كبره و طهر حزنه و خوفه و لم يتكبّر على أحد من الخلق بل تواضع رجاء أن يكون هو من شفعائه عند نزول العذاب، فكذلك العالم إذا تفكّر فيما ضيّعه من أوامر ربّه بجنايات على جوارحه و بذنوب في باطنه من الرّياء و الحقد و الحسد و العجب و النفاق و غيره و علم ممّا هو بصدده من الخطر العظيم فارقه كبره لا محالة.
الأمر الثاني أنّ العالم يعلم أنّ الكبر لا يليق إلّا باللَّه جلّ و عزّ وحده و أنّه إذا تكبّر صار ممقوتا عند اللَّه بغيضا و قد أحبّ اللَّه منه أن يتواضع و قال له: إنّ لك عندي قدرا ما لم تر لنفسك قدرا فإن رأيت لنفسك قدرا فلا قدر لك عندي فلا بدّ أن يكلّف نفسه ما يحبّ مولاه منه فهذا يزيل التكبّر عن قلبه و إن كان يستيقن أنّه لا ذنب له
المحجة