المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥٨
صار حمأ مسنونا كيف يتكبّر، و أخسّ الأشياء ما إليه نسبه إذ يقال: يا أذلّ من التراب و يا أنتن من الحمأ و يا أقذر من المضغة، فإن كان كونه من أبيه أقرب من كونه من التراب فنقول: افتخر بالقريب دون البعيد، فالنطفة و المضغة أقرب إليه من الأب فليحتقر نفسه بهما، ثمّ إن كان ذلك يوجب رفعة بالأب لقربه فالأب الأعلى من التراب فمن أين رفعته، فإذا لم يكن له رفعة فمن أين جاءت الرّفعة لولده فإذن أصله من التراب و فصله من النطفة، فلا أصل له و لا فصل له و هذه غاية خسّة النسب و الأصل يوطأ بالأقدام و الفصل تغسل منه الأبدان. فهذا هو النسب الحقيقيّ للإنسان و من عرفه لم يتكبّر بالنسب، و يكون مثاله بعد هذه المعرفة و انكشاف الغطاء له عن حقيقة أصله كرجل لم يزل عند نفسه من بني هاشم و قد أخبره بذلك والداه فلم تزل فيه نخوة الشرف فبينما هو كذلك إذ أخبره عدول لا يشكّ في قولهم أنّه ابن هنديّ حجّام يتعاطى القاذورات و كشفوا له وجه التلبيس عليه فلم يبق له شكّ في صدقهم أ فترى أنّ ذلك يبقى شيئا من كبره لا بل يصير عند نفسه أحقر الناس و أذلّهم فهو من استشعار الخزي لخسّته في شغل عن أن يتكبّر على غيره، فهذه حال البصير إذا تفكّر في أصله و علم أنّه من النطفة و المضغة و التراب، إذ لو كان أبوه ممّن يتعاطى نقل التراب أو يتعاطى الدّم بالحجامة أو غيرها لكان يعلم به خسّة نفسه لمماسة أعضاء أبيه للتراب و الدّم فكيف إذا عرف أنّه في نفسه من التراب و الدّم و الأشياء القذرة الّتي يتنزّه عنها هو في نفسه.
السّبب الثّاني: الكبر بالجمال
و دواؤه أن ينظر إلى باطنه نظر العقلاء و لا ينظر إلى الظاهر نظر البهائم و مهما نظر إلى باطنه رأى من الفضايح ما يكدر عليه التعزّز بجماله، فإنّه وكّل به الأقذار في جميع أجزائه الرّجيع في أمعائه، و البول في مثانته، و المخاط في أنفه، و البصاق في فيه. و الوسخ في إذنه و الدّم في عروقه، و الصديد تحت بشرته، و الصنان تحت إبطه [١] يغسل الغائط كلّ يوم دفعة أو دفعتين بيده يتردّد إلى الخلاء كلّ يوم مرّة أو مرّتين ليخرج من باطنه ما لو رآه بعينه لاستقذره فضلا
[١] الصنان- بضم الصاد المهملة-: ذفر الابط، و النتن عموما.
المحجة