المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥٦
صورته، و لو وجدوا ريحه لماتوا من نتنه و لو وقعت قطرة من شرابه الّذي يسقى منه في بحار الدّنيا لصارت أنتن من الجيف فمن هذا حاله في العاقبة- إلّا أن يعفو عنه و هو على شكّ من العفو- فكيف يفرح و يبطر؟ و كيف يتكبّر و يتجبّر؟ و كيف يرى نفسه شيئا حتّى يعتقد لها فضلا؟ و أيّ عبد لم يذنب ذنبا استحقّ به العقوبة إلّا أن يعفو الكريم بفضله، أ رأيت من جنى على بعض الملوك فاستحقّ به ألف سوط فحبس في السجن و هو منتظر أن يخرج إلى العرض و تقام عليه العقوبة على ملإ من الخلق و ليس يدري أ يعفى عنه أم لا كيف يكون ذلّه في السجن أ فترى أنّه يتكبّر على من معه في السّجن؟! و ما من عبد مذنب إلّا و الدّنيا سجنه و قد استحقّ العقوبة من اللَّه تعالى و لا يدري كيف يكون أمره فيكفيه ذلك حزنا و خوفا و إشفاقا و مهانة و ذلّا فهذا هو العلاج العلميّ القامع لأصل الكبر.
و أمّا العلاج العمليّ فهو التواضع للَّه تعالى بالفعل
و لسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين كما وصفناه و حكيناه من أحوال الصالحين و من أحوال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم حتّى أنّه كان يأكل على الأرض و يقول: «إنّما أنا عبد آكل كما يأكل العبد» [١]. و قيل لسلمان: لم لا تلبس ثوبا جديدا فقال: إنّما أنا عبد فإذا أعتقت يوما لبست. أشار به إلى العتق في الآخرة.
و لا يتمّ التواضع بعد المعرفة إلّا بالعمل و لذلك امر العرب الّذين تكبّروا على اللَّه و رسوله بالإيمان و بالصّلاة جميعا. و قيل: الصّلاة عماد الدّين و في الصّلاة أسرار لأجلها كانت عمادا و من جملة ما فيها التواضع بالمثول قائما و بالرّكوع و السجود، و قد كانت العرب قديما يأنفون من الانحناء فكان ربّما يسقط من يد أحد سوطه فلا ينحني لأخذه، و ينقطع شراك نعله فلا ينكس رأسه لإصلاحه، حتّى قال حكيم بن حزام: بايعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم على أن لا أخرّ إلّا قائما فبايعه النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم على ذلك ثمّ فقه و كمل إيمانه بعد ذلك»[١]فلمّا
[١] أخرجه أحمد مقتصرا يعنى إلى قوله: «أن لا أخر الا قائما» و فيه إرسال خفى» (المغني).
[١] تقدم في باب سيرته في المأكل و المشرب و كتاب آداب المعيشة.
المحجة