المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥٢
بمثل حبّ اللَّه تعالى و طلب مرضاته.
(بيان الطريق في معالجة الكبر و اكتساب التواضع)
اعلم أنّ الكبر من المهلكات و لا يخلو أحد من الخلق عن شيء منه و إزالته فرض عين و لا يزول بمجرد التمنّي بل بالمعالجة و استعمال الأدوية القامعة له و في معالجته مقامان أحدهما استئصال أصله من سنخه [١] و قلع شجرته من مغرسها في القلب، و الثاني دفع العارض منه بالأسباب الخاصّة الّتي بها يتكبّر الإنسان على غيره.
المقام الأوّل في استئصال أصله و علاجه
علميّ و علميّ و لا يتمّ الشفاء إلّا بمجموعهما.
أمّا العلميّ فهو أن يعرف نفسه و يعرف ربّه
و يكفيه ذلك في إزالة الكبر فإنّه مهما عرف نفسه حقّ المعرفة علم أنّه أذلّ من كلّ ذليل و أقلّ من كلّ قليل بذاته، و أنّه لا يليق به إلّا التواضع و الذلّة و المهانة و إذا عرف ربّه علم أنّه لا تليق العظمة و الكبرياء إلّا باللَّه، أمّا معرفته ربّه و عظمته و مجده فالقول فيه يطول و هو منتهى علم الصدّيقين، أمّا معرفته نفسه فكذلك أيضا يطول و لكنّا نذكر منه ما ينفع في اثارة التواضع و المذلّة و يكفيه أن يعرف معنى آية واحدة من كتاب اللَّه تعالى فإنّ في القرآن علم الأوّلين و الآخرين لمن فتحت بصيرته و قد قال: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ. مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ. مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ. ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ. ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ. ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ [٢] فقد أشارت الآية إلى أوّل خلق الإنسان و إلى آخر أمره و إلى وسطه فلينظر الإنسان ذلك ليفهم معنى هذه الآية أمّا أوّل الإنسان فهو أنّه لم يكن شيئا مذكورا و قد كان ذلك في كتم العدم دهورا بل لم يكن لعدمه أوّل فأيّ شيء أخسّ و أقلّ من المحو و العدم، و قد كان كذلك في القدم، ثمّ خلقه اللَّه تعالى من أرذل الأشياء، ثمّ من أقذرها إذ خلقه من تراب ثمّ من نطفة ثمّ من علقة ثمّ من مضغة، ثمّ جعله عظما ثمّ كسى العظام لحما، فقد كان هذا بداية وجوده حيث صار شيئا مذكورا، فما صار مذكورا إلّا و هو على أخسّ الأوصاف و النعوت إذ لم يخلق في ابتدائه كاملا بل خلقه جمادا ميتا لا يسمع و لا يبصر و لا يحس
[١] اى أصله و منبته.
[٢] عبس ١٧ إلى ٢٢.
المحجة