المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٥١
فما نقل من أخلاقه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم يجمع جملة أخلاق المتواضعين، فمن طلب التواضع فليقتد به و من رأى نفسه فوق محلّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و لم يرض لنفسه بما رضي هو به فما أشدّ جهله فلقد كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم أعظم خلق اللَّه تعالى منصبا في الدّنيا و الدّين، فلا عزّ و لا رفعة إلّا في الاقتداء به و لذلك لمّا عوتب بعض الصحابة في بذاذة هيئته قال: إنّا قوم أعزّنا اللَّه تعالى بالإسلام فلا نطلب العزّ في غيره.
و قال أبو الدّرداء: اعلم أنّ للَّه عبادا يقال لهم: الأبدال، خلف من الأنبياء، هم أوتاد الأرض فلمّا انقضت النبوّة أبدل اللَّه تعالى مكانهم قوما من امّة محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم لم يفضّلوا الناس بكثرة صلاة و لا صوم و لا حسن حلية و لكن بصدق الورع و حسن النيّة و سلامة الصدر لجميع المسلمين و النصح لهم ابتغاء مرضاة اللَّه بصبر من غير تجبّن، و تواضع في غير مذلّة، و هم قوم اصطفاهم اللَّه تعالى و استخلصهم لنفسه و هم أربعون صدّيقا أو ثلاثون رجلا قلوبهم على مثل يقين إبراهيم خليل الرّحمن عليه السّلام لا يموت الرّجل منهم حتّى يكون اللَّه تعالى قد أنشأ من يخلفه. و اعلم يا أخي أنّهم لا يلعنون شيئا و لا يؤذونه و لا يحقرونه و لا يتطاولون عليه و لا يحسدون أحدا و لا يحرصون على الدّنيا هم أطيب الناس خيرا، و ألينهم عريكة، و أسخاهم نفسا، علامتهم السخاء، و سجيّتهم البشاشة، و صفتهم السلامة، ليسوا اليوم في خشية و غدا في غفلة و لكن مداومين على حالهم الظاهر، و هم فيما بينهم و بين ربّهم لا تحرّكهم الرّياح العواصف و لا الخيل المجراة، قلوبهم تصعد ارتياحا إلى اللَّه و اشتياقا إليه و قدما في استباق الخيرات «أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» فقال الرّاوي:
فقلت: يا أبا الدّرداء ما سمعت بصفة أشدّ عليّ من هذه الصفة و كيف لي أن أبلغها؟
فقال: ما بينك و بين أن تكون في أوسعها إلّا أن تكون تبغض الدّنيا، فإنّك إذا أبغضت الدّنيا أقبلت على حبّ الآخرة و بقدر حبّك للآخرة تزهد في الدّنيا، و قدر ذلك تبصر ما ينفكّ، فإذا علم اللَّه من عبد حسن الطلب أفرغ عليه السداد، و اكتنفه بالعصمة، و اعلم يا ابن أخي أنّ ذلك في كتاب اللَّه المنزل «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» و قال يحيى بن كثير: فنظرنا في ذلك فما تلذّذ المتلذّذون
المحجة