المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٤٦
من قبول نصحه و على أن يجتهد في التقدّم عليه، و إن علم أنّه لا يستحقّ ذلك و على أنّه لا يستحلّه و إن ظلمه، و لا يعتذر إليه و إن جنى عليه، و لا يسأله عمّا هو جاهل به.
و أمّا الحسد فإنّه أيضا يوجب البغض للمحسود و إن لم يكن من جهته إيذاء و سبب يقتضي الغضب و الحقد و يدعو الحسد أيضا إلى جحد الحقّ حتّى يمنع من قبول النّصح و تعلّم العلم، فكم من جاهل يشتاق إلى العلم و قد بقي في رذيلة الجهل لاستنكافه أن يستفيد من واحد من أهل بلده أو أقاربه حسدا و بغيا عليه، فهو يعرض عنه و يتكبّر عليه مع معرفته بأنّه يستحقّ التواضع لفضل علمه و لكنّ الحسد يبعثه على أن يعامله بأخلاق المتكبّرين و إن كان في باطنه ليس يرى نفسه فوقه.
و أمّا الرّياء فهو أيضا يدعو إلى أخلاق المتكبّرين حتّى أنّ الرّجل ليناظر من يعلم أنّه أفضل منه و ليس بينه و بينه معرفة و لا محاسدة و لا حقد و لكن يمتنع من قبول الحقّ منه و لا يتواضع له في الاستفادة خيفة من أن يقول الناس: إنّه أفضل منه فيكون باعثه على التكبّر عليه الرّياء المجرّد و لو خلا معه بنفسه لكان لا يتكبّر عليه، و أمّا الّذي يتكبّر بالعجب أو الحسد أو الحقد فيتكبّر أيضا عند الخلوة به مهما لم يكن معهما ثالث و كذلك قد ينتمي إلى نسب شريف كاذبا و هو يعلم أنّه كاذب ثمّ يتكبّر به على من ليس ينتسب إلى ذلك النسب و يترفّع عليه في المجالس و يتقدّم عليه في الطريق و لا يرضى بمساواته في الكرامة و التوقير و هو عالم باطنا بأنّه لا يستحقّ ذلك و لا كبر في باطنه لمعرفته بأنّه كاذب في دعوى النسب و لكن يحمله الرّياء على أفعال المتكبّرين و كان اسم المتكبّر إنّما يطلق في الأكثر على من يفعل هذه الأفعال عن كبر في الباطن صادر عن العجب و النظر إلى الغير بعين الاحتقار و هذا إن سمّي متكبّرا فلأجل التشبّه بأفعال الكبر.
(بيان أخلاق المتواضعين و مجامع ما يظهر فيه أثر التواضع و التكبّر)
اعلم أنّ التكبّر يظهر في شمائل الرّجل كصعر في وجهه و نظره شزرا [١]
[١] صعر- كعلم- وجهه: مال إلى أحد الشقين فهو أصعر. و شزر- من باب ضرب- الرجل و إليه: نظر إليه بجانب عينه مع اعراض أو غضب.
المحجة