المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣٥
الأنفة من قبول الوعظ كما قال تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [١] و قال ابن مسعود: كفى بالرّجل إثما إذا قيل له: اتّق اللَّه قال: عليك بنفسك.
و قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم لرجل: «كل بيمينك، فقال: لا أستطيع، فقال النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم لا استطعت فما منعه إلّا كبره فقيل: ما رفعها بعد ذلك» [٢] أي اعتلّت يده فإذن تكبّره على الخلق عظيم لأنّه سيدعوه إلى التكبّر على أمر اللَّه و إنّما ضرب إبليس مثلا لهذا و ما حكاه من أحواله إلّا ليعتبر به فإنّه قال: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ»* و هذا الكبر بالنسب لأنّه قال: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [٣] فحمله ذلك على أن يمتنع من السجود الّذي أمره اللَّه تعالى به فكان مبدؤه الكبر على آدم و الحسد له فجرّه ذلك على التكبّر على أمر اللَّه فكان ذلك سبب هلاكه أبد الآباد، فهذه آفة من آفات الكبر على العباد عظيمة و لذلك شرح رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم الكبر بهاتين الآفتين إذ سأله ثابت بن قيس بن شمّاس فقال: يا رسول اللَّه إنّي امرؤ قد حبّب إليّ من الجمال ما ترى أ فمن الكبر هو؟ فقال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: لا، و لكن الكبر من بطر الحقّ و غمص الناس» [٤] أي ازدراهم و استحقرهم و هم عباد اللَّه أمثاله و خير منه، و هذه الآفة الأولى، و قوله: «سفه الحقّ» هو ردّه به و هي الآفة الثانية فكلّ من رأى أنّه خير من أخيه و احتقر أخاه فازدراه و نظر إليه بعين الاستصغار أو ردّ الحقّ و هو يعرفه فقد تكبّر فيما بينه و بين الخلق و من أنف من أن يخضع للَّه تعالى و يتواضع له بطاعته و اتّباع رسله فقد تكبّر فيما بينه و بين اللَّه تعالى و الرّسل.
(بيان ما به التكبر)
اعلم أنّه لا يتكبّر إلّا من استعظم نفسه و لا يستعظمها إلّا و هو يعتقد لها صفة
[١] البقرة: ٢٠٦.
[٢] أخرجه مسلم ج ٦ ص ١٠٩ و قال النووي: هذا الرجل بسر بن راعى العيد الاشجعى كذا ذكره ابن مندة.
[٣] الأعراف: ١٢.
[٤] تقدم غير مرة بلفظ «من سفه الحق».
المحجة