المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣٣
عزّ و جلّ و من اتّباع موسى عليه السلام، و قالت قريش: لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [١] قال قتادة: عظيم القريتين هو الوليد بن المغيرة و أبو مسعود الثقفي طلبوا من هو أعظم رئاسة من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ قالوا غلام يتيم كيف بعثه اللّه إلينا فقال تعالى: أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [٢] و قال تعالى:
لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا [٣] أي استحقارا لهم و استبعادا لتقدّمهم.
و قالت قريش: كيف نجلس إليك و عندك هؤلاء؟ أشاروا إلى فقراء المسلمين فازدروهم بأعينهم لفقرهم، و تكبّروا عن مجالستهم فأنزل اللّه تعالى وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [٤].
و قال: وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا [٥].
ثمّ أخبر اللّه تعالى عن تعجّبهم حين دخلوا جهنّم إذ لم يروا الّذين استرذلوهم فقالوا: ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ [٦] قيل: يعنون عمّارا و بلالا و صهيبا و المقداد.
ثمّ كان منهم من منعه الكبر عن الفكر و المعرفة فجهل كونه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم محقّا و منهم من عرف ذلك و منعه الكبر عن الاعتراف قال اللّه تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [٧] و قال: وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا [٨] و هذا الكبر قريب من التكبّر على اللّه و إن كان دونه و لكنّه تكبّر عن قبول أمر اللّه و التواضع لرسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
القسم الثالث: التكبّر على العباد
و ذلك بأن يستعظم نفسه و يستحقر غيره فتأبى نفسه عن الانقياد لهم و تدعوه إلى الترفّع عليهم فيزدريهم و يستصغرهم و يأنف من مساواتهم و هذا و إن كان دون الأوّل و الثاني فهو أيضا عظيم من وجهين: أحدهما
[١] الزخرف: ٣٢.
[٢] الزخرف: ٣٣.
[٣] الانعام: ٥٤.
[٤] الانعام: ٥٣.
[٥] الكهف: ٢٩.
[٦] سوره ص: ٦٢.
[٧] البقرة: ٩٠.
[٨] النمل: ١٤.
المحجة