المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢١٠
احتمائه، فمهما نازعته نفسه إلى شهوة تفكّر في توالي الآلام و الأوجاع عليه و أدّاه ذلك إلى الموت المفرّق بينه و بين مملكته الموجب لشماتة أعدائه به و مهما اشتدّ عليه شرب دواء تفكّر فيما يستفيده منه من الشفاء الّذي هو سبب التمتّع بملكه و نعيمه في عيش هنيء و بدن صحيح و قلب رخيّ و أمر نافذ، فيخفّ عليه مهاجرة اللّذّات و مصابرة المكروهات. فكذلك المؤمن المريد لملك الآخرة احتمى عن كلّ مهلك له في آخرته و هي لذّات الدّنيا و زهرتها فاجتزى منها بالقليل و اختار الذّبول و النحول و الوحشة و الحزن و الخوف و ترك المؤانسة بالخلق جميعا خوفا من أن يحلّ عليه غضب من اللّه فيهلك و رجاء أن ينجو من عذابه، فخفّ ذلك كلّه عليه عند شدّة يقينه و إيمانه بعاقبة أمره و بما أعدّ له من النعيم المقيم في رضوان اللّه أبد الآباد، ثمّ علم أنّ اللّه رحيم لم يزل بعباده المريدين لمرضاته عونا و بهم رءوفا و عليهم عطوفا، و لو شاء لأغناهم عن التّعب و النصب، و لكن أراد أن يبلوهم و يعرف صدق إرادتهم حكمة منه و عدلا، ثمّ إذا تحمّل التعب في بدايته أقبل اللّه عليه بالمعونة و التيسير و حطّ عنه الإعياء و سهّل عليه الصبر، و حبّب إليه الطّاعة و زرقه فيها من لذّة المناجاة ما يلهيه ذلك عن سائر اللّذّات و يقوّيه على إماتة الشهوات و يتولّى سياسته و تقويته و أمدّه بمعونته فإنّ الكريم لا يضيّع سعي الرّاجي و لا يخيب أمل المحبّ، و هو الّذي يقول: «من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه ذراعا» و يقول:
«لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي و إنّي إلى لقائهم لأشدّ شوقا» فليظهر العبد في البداية جدّه و صدقه و إخلاصه فلا يعوزه من اللّه تعالى على القرب ما هو اللّائق بجوده و كرمه و رأفته و رحمته و للَّه الحمد و المنّة.
(١) هذا آخر كتاب ذمّ الجاه و الرّياء من ربع المهلكات من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء.
و يتلوه إن شاء اللّه تعالى كتاب ذمّ الكبر و العجب و الحمد للَّه أوّلا و آخرا.
المحجة