المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٠٨
فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعزّ الأبد، فوقر في قلبي المعرفة، فقال: حسبك أو أزيدك؟ فقلت: بلى قال: أنزل عن الصومعة فنزلت فأدلى لي ركوة فيها عشرون حمّصة، فقال لي: ادخل إلى الدّير فقد رأوا ما أدليت إليك فلمّا دخلت الدّير اجتمعت النصارى عليّ فقالوا: يا حنيفي ما الّذي أدلى إليك الشيخ قلت: من قوته قالوا: و ما تصنع به و نحن أحقّ به ثمّ قالوا: ساوم، قلت: عشرون دينارا، فأعطوني عشرين دينارا، فرجعت إلى الشيخ فقال: يا حنيفي ما الّذي صنعت؟ قلت: بعته منهم، قال: بكم؟ قلت: بعشرين دينارا، قال: أخطأت لو ساومتهم بعشرين ألف دينار لأعطوك، هذا عزّ من لا تعبده فانظر كيف يكون عزّ من تعبده؟ يا حنيفي أقبل على ربّك و دع الذّهاب و الجيئة.
المقصود أنّ استشعار النفس عزّ العظمة في القلوب يكون باعثا في الخلوة، و قد لا يشعر العبد به، فينبغي أن يلزم نفسه الحذر منه، و علامة سلامته أن يكون الخلق عنده و البهائم بمثابة واحدة فلو تغيّروا له من اعتقادهم له لم يجزع و لم يضق به ذرعا إلّا كراهية ضعيفة إن وجدها في قلبه فيردّها في الحال بعقله و إيمانه فإنّه لو كان في عبادة فاطّلع الناس كلّهم عليه لم يزده ذلك خشوعا، و لم يداخله سرور بسبب اطّلاعهم عليه، فإن دخل سرور يسير فهو دليل ضعفه و لكن إذا قدر على ردّه بكراهة العقل و الإيمان و بادر إلى ذلك و لم يقبل ذلك السّرور بالركون إليه فيرجى له أن لا يخيب سعيه إلّا أن يزيد عند مشاهدتهم في الخشوع و الانقباض كيلا ينبسطوا إليه، فذلك لا بأس به و لكن فيه غرور إذ النفس قد تكون شهوتها الخفيّة إظهار الخشوع و تتعلّل بطلب الانقباض، فليطالبها في دعواها قصد الانقباض بموثق من اللّه غليظ و هو أنّه لو علم أنّ انقباضهم عنه إنّما حصل بأن يعدو كثيرا أو يضحك كثيرا أو يأكل كثيرا فتسمح نفسه بذلك، فإذا لم تسمح به و سمحت بالعبادة فيشبه أن يكون مرادها المنزلة عندهم و لا ينجو من ذلك إلّا من تقرّر في قلبه أنّه ليس في الوجود أحد سوى اللّه تعالى، فيعمل عمل من لو كان على وجه الأرض وحده لكان يعمله، فلا يلتفت قلبه إلى الخلق إلّا خطرات ضعيفة لا يشقّ عليه إزالتها، فإذا كان كذلك لم يتغيّر بمشاهدة
المحجة