المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٠٤
يكون قد خفي عليك شيء من الرّياء الّذي هو كدبيب النمل، و كن على و جل من عبادتك أ هي مقبولة أم لا، لخوفك على الإخلاص فيها، و احذر أن يتجدّد لك خاطر الرّكون إلى حمدهم بعد الشروع بالإخلاص فإنّ ذلك ممّا يكثر جدّا، فإذا خطر لك فتفكّر في اطّلاع اللّه عليك و مقته لك، و تذكّر ما قاله أحد الثلاثة النفر الّذين حاجّوا أيّوب إذ قالوا: يا أيّوب! أما علمت أنّ العبد تضلّ عنه علانيته الّتي كان يخادع بها عن نفسه و يجزى بسريرته، و قول بعضهم: أعوذ بك أن يرى الناس أنّي أخشاك و أنت لي ماقت. و كان من دعاء عليّ بن الحسين عليهما السّلام: «اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن تحسن في لامعة العيون علانيتي و تقبح لك فيما أخلو سريرتي محافظا على رئاء الناس من نفسي، و مضيّعا لما أنت مطّلع عليه منّي، أبدي للناس أحسن أمري و افضي إليك بأسوإ عملي، تقرّبا إلى الناس بحسناتي، و فرارا منهم إليك بسيّئاتي فيحلّ بي مقتك، و يجب عليّ غضبك، أعذني من ذلك يا ربّ العالمين» و قد قال أحد الثلاثة نفر لأيّوب عليه السّلام: يا أيّوب ألم تعلم أنّ الّذين حفظوا علانيتهم و أضاعوا سرائرهم عند طلب الحاجات إلى الرّحمن تسودّ وجوههم بالردّ. فهذه جمل آفات الرّياء فليراقب العبد قلبه ليقف عليها، و في الخبر «أنّ للرّياء سبعين بابا»[١]و قد عرفت أنّ بعضه أغمض من بعض حتّى أنّ بعضه مثل دبيب النمل، و بعضه أخفى من دبيب النمل، و كيف يدرك ما هو أخفى من دبيب النمل، إلّا بشدة المراقبة و التفقّد، و ليس يدرك إلّا بعد بذل المجهود [١] فكيف يطمع في إدراكه
[١] قال العراقي: هكذا ذكر المصنف هذا الحديث هنا و كأنه تصحف عليه أو على من نقله من كلامه أنه «الرياء» بالمثناة و انما هو «الربا» بالموحدة و المرسوم كتابته بالواو، و الحديث رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة بلفظ «الربا سبعون حوبا أيسرها أن ينكح الرجل أمه» و في اسناده أبو معشر و اسمه نجيح مختلف فيه، و روى ابن ماجه أيضا من حديث ابن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه و آله قال: «الربا ثلاثة و سبعون بابا» و اسناده صحيح هكذا ذكر ابن ماجه الحديثين في أبواب التجارات و قد روى البزار حديث ابن مسعود بلفظ «الرياء بضع و سبعون بابا و الشرك مثل ذلك» و هذه الزيادة قد يستدل بها على أنه «الرياء» بالمثناة لاقترانه مع الشرك. و اللّه أعلم.
[١] في الاحياء «وليته أدرك بعد بذل المجهود».
المحجة