المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٩
و ضعفاؤهم و لم يؤثر عنهم الترك لخوف الآفة و ذلك لضعف الآفة الدّاخلة فيها و القدرة على نفيها مع إتمام العمل للَّه بأدنى قوّة.
المرتبة الثالثة: و هي متوسّطة بين الرّتبتين و هو التصدّي لمنصب الوعظ و الفتوى و الرّواية و التدريس و الآفات فيها أقلّ ممّا في الولايات و أكثر ممّا في الصلاة، و الصلاة ينبغي أن لا يتركها الضعيف و القوي و لكن يدفع خاطر الرّياء.
و الولايات ينبغي أن يتركها الضعفاء رأسا دون الأقوياء و مناصب العلم بينهما و من جرّب آفات منصب العلم علم أنّها بالولايات أشبه و أنّ الحذر منها في حقّ الضعيف أسلم و اللّه أعلم.
و هاهنا رتبة رابعة و هي جمع المال و أخذه للتفرقة على المستحقّين فإنّ في الإنفاق و إظهار السخاء استجلابا للثناء و في إدخال السّرور على قلوب الناس لذّة للنفس فالآفات فيها أيضا كثيرة.
و قد اختلف العلماء فقال قوم: إذا طلب الدّنيا من الحلال و سلم منه و تصدّق به فهو أفضل من أن يشتغل بالعبادات و النوافل لأنّه خير متعدّ كالنكاح، و قال قوم:
الجلوس في دوام ذكر اللّه أفضل و الأخذ و الإعطاء يشغل عن ذكر اللّه و قد قال عيسى عليه السّلام: «يا طالب الدّنيا لتبرّ بها، تركك لها أبرّ» و قال قوم: أقلّ ما فيه أنّه يشغله إصلاحه عن ذكر اللّه و ذكر اللّه أفضل و أكبر، و هذا فيمن سلم من الآفات فأمّا من يتعرّض لآفات الرّياء فتركه لها أبرّ و الاشتغال بالذّكر لا خلاف في أنّه أفضل.
و بالجملة ما يتعلّق بالخلق و للنفس فيه لذّة فهو مثار الآفات و الأحبّ أن يعمل و يدفع الآفات فإن عجز فلينظر و ليجتهد و ليستفت قلبه و ليزن ما فيه من الخير بما فيه من الشرّ و ليفعل ما يدلّ عليه نور العلم دون ما يميل إليه الطبع.
و بالجملة ما يجده أخفّ على قلبه فهو في الأكثر أضرّ عليه لأنّ النفس لا تستلذّ إلّا بالشرّ و قلّما تستلذّ الخير و تميل إليه، و إن كان لا يبعد ذلك أيضا في بعض الأحوال، و هذه أمور لا يمكن الحكم على تفاصيلها بنفي و إثبات و هو موكول
المحجة البيضاء، جلد٦، ص: ٢٠٠
إلى اجتهاد القلب لينظر فيه لدينه و يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه، ثمّ قد يقع ممّا ذكرناه غرور للجاهل فيمسك المال و لا ينفقه خيفة من الآفة و هو عين البخل و لا خلاف في أنّ تفرقة المال في المباحات فضلا عن الصدقات أفضل من إمساكه و إنّما الخلاف فيمن يحتاج إلى الكسب أنّ الأفضل ترك الكسب و الإنفاق أو التجرّد للذكر أو الكسب من الحلال و إنفاقه في الخيرات و ذلك لما في الكسب من الآفات و أمّا المال الحاصل الحلال فتفرقته أفضل بكلّ حال من إمساكه.
فإن قلت: فبأيّ علامة يعرف العالم و الواعظ أنّه صادق مخلص في وعظه غير مريد رئاء الناس؟
فاعلم أنّ لذلك علامات إحداها أنّه لو ظهر من هو أحسن منه وعظا و أغزر منه علما و الناس له أشدّ قبولا فرح به و لم يحسده، نعم لا بأس بالغبطة و هي أن يتمنّى لنفسه مثل علمه، و الأخرى أنّ الأكابر إذا حضروا مجلسه لم يتغيّر كلامه بل يبقى كما كان عليه فينظر إلى الخلق بعين واحدة، و الأخرى أن لا يحبّ اتّباع الناس له في الطريق و المشي خلفه في الأسواق، و لذلك علامات كثيرة يطول إحصاؤها.
(بيان ما يصحّ من نشاط العبد للعبادة بسبب رؤية الخلق و ما لا يصحّ)
اعلم أنّ الرّجل قد يبيت مع القوم في موضع فيقومون للتهجّد أو يقوم بعضهم فيصلّون اللّيل كلّه أو بعضه و هو ممّن يقوم في بيته ساعة قريبة، فإذا رآهم انبعث نشاطه للموافقة حتّى يزيد على ما كان يعتاده أو يصلّي مع أنّه كان لا يعتادها أصلا، و كذلك قد يقع في موضع يصوم فيه أهل الموضع فينبعث له نشاط في الصوم و لولاهم لما انبعث هذا النشاط، فهذا ربّما يظنّ أنّه رياء و أنّ الواجب ترك الموافقة و ليس كذلك على الإطلاق بل له تفصيل، لأنّ كلّ مؤمن راغب في عبادة اللّه و في قيام اللّيل و صيام النهار، و لكن قد تعوقه العوائق و تمنعه الأشغال، و يغلبه التمكّن من الشهوات، أو تستهويه الغفلة، فربّما يكون مشاهدة الغير سبب زوال الغفلة، أو تندفع العوائق و الأشغال في بعض المواضع فينبعث له النشاط، فقد يكون الرّجل
المحجة البيضاء جلد٦ ٢٠١ (بيان ما يصح من نشاط العبد للعبادة بسبب رؤية الخلق و ما لا يصح) ..... ص : ٢٠٠
المحجة البيضاء، جلد٦، ص: ٢٠١
في منزله فتقطعه الأسباب عن التهجّد مثل تمكّنه من النوم على فراش وثير أو تمكّنه من التمتّع بزوجته أو المحادثة مع أهله و أقاربه و الاشتغال بأولاده أو مطالعة حساب له مع معامليه، فإذا وقع في منزل غريب اندفعت عنه هذه الشواغل الّتي تفتر رغبته عن الخير و حصلت له أسباب باعثة على الخير لمشاهدته إيّاهم و قد أقبلوا على اللّه عزّ و جلّ و أعرضوا عن الدّنيا فانّه ينظر إليهم فينافسهم و يشقّ عليه أن يسبقوه بطاعة فتتحرّك داعيته للدّين لا للرّياء، أو ربّما يفارقه النوم لاستنكاره الموضع أو سبب آخر فيغتنم زوال النوم، و في منزله ربّما يغلبه النوم و ربّما ينضاف إليه أنّه في منزله على الدّوام، و النفس لا تسمح بالتهجّد دائما و إنّما يسمح بالتهجّد وقتا قليلا فيكون ذلك سبب هذا النشاط مع اندفاع سائر العوائق، و قد يعسر عليه الصوم في منزله و معه أطايب الأطعمة و يشقّ عليه الصبر عنها فإذا أعوزته [١] تلك الأطعمة لم يشقّ عليه الصوم فينبعث داعية الدّين للصوم فإنّ الشهوات الحاضرة عوائق و دوافع تغلب باعث الدّين، فإذا سلم منها قوي الباعث، فهذا و أمثاله من الأسباب يتصوّر وقوعه و يكون السبب فيه مشاهدة الناس و كونه معهم، و الشيطان عند ذلك ربّما يصدّ عن العمل و يقول: لا تعمل فإنّك تكون مرائيا إذ كنت لا تعمل في بيتك و لا تزد على صلاتك المعتادة، و قد تكون رغبته في الزّيادة لأجل رؤيتهم و خوفا من ذمّهم و نسبتهم إيّاه إلى الكسل، لا سيّما إذا كانوا يظنّون به أنّه يقوم اللّيل فإنّ نفسه لا تسمح بأن تسقط من أعينهم فيريد أن يحفظ منزلته و عند ذلك قد يقول الشيطان: صلّ فإنّك مخلص و لست تصلّي لأجلهم بل للَّه، و إنّما كنت لا تصلّي كلّ ليلة لكثرة العوائق و إنّما داعيتك لزوال العوائق لا لاطّلاعهم و هذا أمر مشتبه، إلّا على ذوي البصائر، فإذا عرف أنّ المحرّك هو الرّياء فلا ينبغي أن يزيد على ما كان يعتاده و لا ركعة واحدة لأنّه يعصي اللّه بطلب محمدة الناس بطاعة اللّه تعالى، و إن كان انبعاثه لدفع العوائق و تحرّك الغبطة و المنافسة بسبب عبادتهم فليوافق، و علامة ذلك أن يعرض على نفسه أنّه لو رأى هؤلاء يصلّون من
[١] أعوزه المطلوب: أعجزه و صعب عليه نيله.
المحجة