المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩٣
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أقرب الناس منّي مجلسا يوم القيامة إمام عادل»[١] (١) أقول: لما كانت الخلافة عندنا إنّما تكون منصوصة من اللّه عزّ و جلّ مخصوصة بالإمام المعصوم المطهّر من الرّجز و شوائب النفس الّتي منها تهيج الرّياء و لا يدّعيها بعده إلّا المشرك الّذي أحبط بشركه جميع أعمال برّه رأسا فلا حاجة بنا إلى الكلام فيها من حيث تطرّق الرّياء إليها فلنطوه، و قد نقل أبو حامد عن شيخيه في هذا المقام من القول و الفعل ما نقل.
قال: و أمّا القضاء فهو و إن كان دون الخلافة و الإمارة فهو في معناها، فإنّ كلّ ذي ولاية أمير أي له أمر نافذ، و الإمارة محبوبة بالطبع و الثواب في القضاء عظيم مع اتّباع الحقّ، و العقاب فيه أيضا عظيم مع العدول عن الحقّ.
و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «القضاة ثلاثة واحد في الجنّة و اثنان في النّار» [١] و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من استقضى فقد ذبح بغير سكين»[٢]فحكمه حكم الامارة ينبغي أن يتركه الضعفاء و كلّ من للدّنيا و لذّاتها وزن في عينه، و ليتقلّده الأقوياء الّذين لا تأخذهم في اللّه لومة لائم، و مهما كانت السلاطين ظلمة و لم يقدر القاضي على القضاء إلّا بمداهنتهم و إهمال بعض الحقوق لأجلهم و لأجل المتعلّقين بهم، إذ يعلم أنّه لو حكم عليهم بالحقّ لعزلوه أو لم يطيعوه، فليس له أن يتقلّد القضاء، و إن تقلّده فعليه أن يطالبهم بالحقوق، و لا يكون خوف العزل عذرا مرخّصا له في الإهمال أصلا، بل إذا عزل سقطت العهدة عنه، فينبغي أن يفرح بالعزل إن كان يقضي للَّه فإن لم تسمح نفسه بذلك فهو إذن يقضي لاتّباع الهوى و الشيطان فكيف يرتقب عليه ثوابا و هو مع الظلمة في الدّرك الأسفل من النار.
[١] أخرجه الترمذي ج ٦ ص ٧٠ من حديث أبي سعيد الخدري هكذا: ان أحب الناس إلى اللّه يوم القيامة و أدناهم منه مجلسا امام عادل و أبغض الناس ... الحديث».
[٢] أخرجه ابن ماجه تحت رقم ٢٣٠٨ و فيه «من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين» من حديث أبي هريرة و أخرجه أبو داود ج ٢ ص ٢٦٨.
[١] أخرجه أبو داود من حديث ابن بريدة ج ٢ ص ٢٦٨، و قال: هذا اصح شيء فيه- يعنى حديث ابن بريدة «القضاة ثلاثة». و رواه ابن ماجه تحت رقم ٢٣١٥.
المحجة