المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩١
في الدّفع و لا يترك العمل لكي يرجع إلى عقد الإخلاص و يردّ نفسه إليه قهرا حتّى يتمّ العمل، لأنّ الشيطان يدعوك أوّلا إلى ترك العمل فإذا لم تجبه و اشتغلت فيدعوك إلى الرّياء فإذا لم تجب و دفعته بقي يقول لك: هذا العمل ليس بخالص و أنت مراء و تعبك ضائع فأيّ فائدة لك في عمل لا إخلاص فيه حتّى يحملك بذلك على ترك العمل، فإذا تركته فقد حصلت غرضه، و مثال من يترك العمل لخوفه أن يكون مرائيا كمن سلم إليه مولاه حنطة فيها تراب و قال له: خلّصها من التراب و نقّها تنقية بالغة، فيترك أصل العمل و يقول: أخاف إن اشتغلت به لم تخلص خلاصا صافيا نقيّا، فترك العمل من أصله هو ترك الإخلاص مع أصل العمل فلا معنى له، و من هذا القبيل أن يترك العمل خوفا على الناس أن يقولوا له: إنّه مراء فيعصون اللّه به، فهذا من مكايد الشيطان لأنّه أوّلا أساء الظنّ بالمسلمين و ما كان من حقّه أن يظنّ بهم ذلك، ثمّ إن كان فلا يضرّه قولهم و يفوته ثواب العبادة و ترك العمل خوفا من قولهم: «إنّه مراء» هو عين الرّياء فلو لا حبّه لمحمدتهم و خوفه من ذمّهم فما له و لقولهم قالوا: إنّه مراء أو قالوا: إنّه مخلص، و أيّ فرق بين أن يترك العمل خوفا من أن يقال: إنّه مراء، و بين أن يحسن العمل خوفا من أن يقال:
إنّه غافل مقصّر، بل ترك العمل أشدّ من ذلك، فهذه كلّها مكايد الشيطان على العبّاد الجهّال، ثمّ كيف يطمع في أن يتخلّص من الشيطان بأن يترك العمل و الشيطان لا يخليه بل يقول له الآن: يقول الناس: إنّك تركت العمل ليقال: إنّك مخلص لا يشتهي الشهرة فيضطرّك بذلك إلى أن تهرب فإن هربت و دخلت سربا تحت الأرض ألقى في قلبك حلاوة معرفة الناس لزهدك و هربك منهم و تعظيمهم لك بقلوبهم على ذلك، فكيف تتخلّص بل لا نجاة منه إلّا أن تلزم قلبك معرفة آفة الرّياء و هو أنّه ضرر في الآخرة و لا نفع فيه في الدّنيا لتلزم الكراهة و الإباء قلبك و تستمر مع ذلك على العمل و لا تبالي، و إن نزغ العدوّ نازغ الطبع، فإنّ ذلك لا ينقطع و ترك العمل لأجل ذلك يجرّ إلى البطالة و ترك الخيرات فما دمت تجد باعثا دينيّا على العمل فلا تترك العمل و جاهد خاطر الرّياء و ألزم قلبك الحياء من اللّه
المحجة