المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩
و لكنّا إذا ذكرنا الدّنيا المذمومة لم نعد هذا من الدّنيا أصلا بل قلنا: إنّه من الآخرة، و كذلك العابد قد يأنس بعبادته و يستلذّها بحيث لو منعت عنه لكان ذلك أعظم العقوبات عليه حتّى قال بعضهم: ما أخاف من الموت إلّا من حيث إنّه يحول بيني و بين قيام اللّيل، و كان آخر يقول: اللّهم ارزقني قوّة الصلاة و الركوع و السجود في القبر، فهذا قد صارت الصلاة من حظوظه العاجلة و كلّ حظّ عاجل فاسم الدّنيا ينطبق عليه من حيث الاشتقاق من الدّنوّ، و لكنّا لسنا نعني بالدّنيا المذمومة ذلك، و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم: «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب و النساء و قرّة عيني في الصّلاة» [١] فجعل الصلاة من جملة ملاذّ الدّنيا و ذلك لأنّ كلّ ما يدخل في الحسّ و المشاهدة فهو عالم الشهادة و هو من الدّنيا، و التلذّذ بتحريك الجوارح بالسجود و الركوع إنّما يكون في الدّنيا فلذلك أضافها إلى الدّنيا إلّا أنّا في هذا الكتاب لسنا نتعرّض إلّا للدّنيا المذمومة فنقول: هذه ليست من الدّنيا.
القسم الثاني و هو المقابل للقسم الأوّل على الطرف الأقصى كلّ ما فيه حظّ عاجل و لا ثمرة له في الآخرة أصلا كالتلذّذ بالمعاصي كلّها و التنعّم بالمباحات الزّائدة على قدر الضرورات و الحاجات الدّاخلة في جملة الرّفاهية و الرّعونات كالتنعّم بالقناطير المقنطرة من الذّهب و الفضّة، و الخيل المسوّمة و الأنعام و الحرث، و الغلمان و الجواري و الخيول و المواشي، و القصور و الدّور المشيّدة، و رفيع الثياب و لذائذ الأطعمة، فحظّ العبد من هذه كلّها هي الدّنيا المذمومة، و فيما يعدّ فضولا أو في محلّ الحاجة نظر طويل.
القسم الثالث و هو متوسط بين الطرفين كلّ حظّ في العاجل معين على الأعمال الآخرة كقدر القوت من الطعام و القميص الواحد الخشن و كلّ ما لا بدّ منه ليتأتّى للإنسان البقاء و الصحّة الّتي بها يتوصّل إلى العلم و العمل و هذا ليس من الدّنيا كالقسم الأوّل لأنّه معين على القسم الأوّل و وسيلة إليه، فمهما تناوله العبد على
[١] أخرجه أحمد ج ٣ ص ١٢٨، و النسائي ج ٧ ص ٦١ و الحاكم و البيهقي في السنن من حديث أنس بسند حسن كما في الجامع الصغير.
المحجة