المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٨
الناس، و ذلك كذب بل الحياء خلق ينبعث من الطبع الكريم و يهيج عقيبه داعية الرّياء و داعية الإخلاص و يتصوّر أن يخلص معه و يتصوّر أن يرائي معه، و بيانه أنّ الرّجل يطلب من صديقه قرضا و نفسه لا تسخو بإقراضه إلّا أنّه يستحي من ردّه و يعلم أنّه لو راسله على لسان غيره لكان لا يستحي و لا يقرض رياء و لا لطلب ثواب فله عند ذلك أحوال: أحدها أن يشافه بالردّ الصريح و لا يبالي فينسب إلى قلّة الحياء، و هذا فعل من لا حياء له فإنّ المستحي إمّا أن يتعلّل أو يقرض، فإن أعطى فيتصوّر له ثلاثة أحوال: أحدها أن يمزج الرّياء بالحياء بأن يهيج الحياء فيقبح عنده الردّ فيهيج خاطر الرّياء، و يقول: ينبغي أن تعطي حتّى يثني عليك و يحمدك و ينشر اسمك بالسخاء، أو ينبغي أن تعطي حتّى لا يذمّك و لا ينسبك إلى البخل، فإذا أعطى على هذه الصفة فقد أعطى بالرّياء، و كان المحرّك للرّياء هو هيجان الحياء. الثاني أن يتعذّر عليه الردّ بالحياء و يبقى في نفسه البخل فيتعذّر الإعطاء فيهيج باعث الإخلاص و يقول له: إنّ الصدقة بواحدة و القرض بثمانية عشر ففيه أجر عظيم و إدخال السرور على قلب صديق و ذلك محمود عند اللّه فتسخو النفس بالإعطاء لذلك، فهذا مخلص يهيج الحياء بإخلاصه. الثالث أن لا يكون له رغبة في الثواب و لا خوف من مذمّته و لا حبّ لمحمدته لأنّه لو طلبه مراسلة لكان لا يعطيه، فأعطاه لمحض الحياء و هو ما يجده في قلبه من ألم الحياء و لو لا الحياء لردّه و لو جاءه من لا يستحي منه من الأجانب أو الأراذل لكان يردّه و إن كثر الحمد و الثواب فيه فهذا مجرّد الحياء و لا يكون هذا إلّا في القبائح كالبخل و مقارفة الذنوب، و المرائي يستحي من المباحات أيضا حتّى أنّه يرى مستعجلا في المشي فيعود إلى الهدوّ، أو ضاحكا فيرجع إلى الانقباض و يزعم أن ذلك حياء و هو عين الرّياء، و قد قيل: إنّ بعض الحياء ضعف و هو صحيح و المراد به الحياء ممّا ليس بقبيح كالحياء من وعظ الناس و إمامة الصلاة و هو في الصّبيان و النساء محمود و في العقلاء غير محمود، و قد يشاهد معصية من شيخ فيستحي من شيبته أن ينكر عليه لأنّ «من إجلال اللّه إجلال ذي الشيبة المسلم» و هذا الحياء حسن و أحسن منه
المحجة