المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٥
فصنّف بعضهم كتابا في دقائق الرّياء فتركوا ذلك و ترك الناس الرّغبة فيه فكانوا يقولون: ليت ذلك الكتاب لم يصنّف. فإظهار المرائي فيه خير كثير لغيره إذا لم يعرف رياؤه، و إنّ اللّه يؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر و بأقوام لا خلاق لهم كما ورد في الأخبار [١] و بعض المرائين ممّن يقتدى به منهم.
(بيان الرّخصة في كتمان الذّنوب و كراهة اطّلاع) (الناس عليها و كراهة ذمّهم لها)
اعلم أنّ الأصل في الإخلاص استواء السّريرة و العلانية، كما قال بعضهم:
عليك بعمل العلانية قيل: و ما عمل العلانية؟ قال: ما إذا اطّلع عليك لم تستحي منه. و قال آخر: ما عملت عملا أبالي أن يطّلع الناس عليه إلّا إتياني أهلي و البول و الغائط. إلّا أنّ هذه درجة عظيمة لا ينالها كلّ أحد و لا يخلو الإنسان عن ذنوب بقلبه أو بجوارحه و هو يخفيها و يكره اطّلاع الناس عليها لا سيما ما تختلج به الخواطر في الشهوات و الأماني و اللّه مطّلع على جميع ذلك، فإرادة العبد لإخفائه عن العبيد ربّما يظنّ أنّه رياء محظور، و ليس كذلك بل المحظور أن يستر ذلك ليرى الناس أنّه ورع و أنّه خائف من اللّه مع أنّه ليس كذلك فهذا هو ستر المرائي، أمّا الصادق الّذي لا يرائي فيجوز له ستر المعاصي، و يصحّ قصده فيه، و يصحّ اغتمامه باطّلاع الناس عليه من ثمانية أوجه:
الأوّل: هو أن يفرح بستر اللّه عليه
و إذا افتضح اغتمّ بهتك اللّه ستره و خاف أن يهتك ستره في القيامة إذ ورد في الخبر «أنّ من ستر اللّه عليه في الدّنيا ذنبا ستر عليه في الآخرة» [٢] و هذا غمّ ينشأ من قوّة الإيمان.
الثاني: أنّه قد علم أنّ اللّه تعالى يكره ظهور المعاصي و يحبّ سترها
كما
[١] أخرجه البخاري ج ٨ ص ١٥٥، و أبو عوانة ج ١ ص ٤٦ من مسنده، و أحمد في مسنده ج ٢ ص ٣٠٩، و الدارمي ج ٢ ص ٢٤٠.
[٢] أخرجه مسلم ج ٨ ص ٢١ و قد تقدم.
المحجة