المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٤
لا بل عذابه مدّة مديدة و هذه مزلّة أقدام العبّاد و العلماء، فإنّهم يتشبّهون بالأقوياء في الإظهار و لا تقوى قلوبهم على الإخلاص فتحبط أجورهم بالرّياء و التفطّن لذلك غامض، و محك ذلك أن يعرض على نفسه أنّه لو قيل له: أخف العمل حتّى يقتدي الناس بعابد آخر من أقرانك و يكون لك في السرّ مثل أجر الإعلان، فإن مال قلبه إلى أن يكون هو المقتدى به و هو المظهر للعمل فباعثه الرّياء دون طلب الأجر و اقتداء الناس به و رغبتهم في الخير فإنّهم قد رغبوا في الخير بالنظر إلى غيره و أجره قد توفّر عليه مع إسراره فما بال قلبه يميل إلى الإظهار لو لا ملاحظته لأعين الخلق و مراءاتهم، فليحذر العبد خدع النفس فإنّ النفس خدوعة و الشيطان مترصّد و حبّ الجاه على القلب غالب و قلّما تسلم الأعمال الظاهرة عن الآفات فلا ينبغي أن يعدل بالسلامة شيئا و السلامة في الإخفاء، و في الإظهار من الأخطار ما لا يقوى عليه أمثالنا فالحذر من الإظهار أولى بنا و بجميع الضعفاء.
القسم الثاني أن يتحدّث بما فعله بعد الفراغ
و حكمه حكم إظهار العمل نفسه و الخطر في هذا أشدّ لأنّ مئونة النطق خفيفة على اللّسان و قد تجري في الحكاية زيادة و مبالغة و للنفس لذّة في إظهار الدّعاوي عظيمة إلّا أنّه لو تطرّق إليه الرّياء ثمّ يؤثر في إفساد العبادة الماضية بعد الفراغ منها فهو من هذا الوجه أهون فالحكم فيه أنّ من قوي قلبه و تمّ إخلاصه و صغر الناس في عينه و استوى عنده مدحهم و ذمّهم و ذكر ذلك عند من يرجو الاقتداء به و الرّغبة في الخير بسببه فهو جائز بل مندوب إليه إن صفت النيّة و سلمت من جميع الآفات لأنّه ترغيب في الخير و الترغيب في الخير خير، و قد نقل مثل ذلك عن جماعة من السلف الأقوياء. فلا ينبغي أن يسدّ باب إظهار الأعمال، و الطباع مجبولة على التشبّه و الاقتداء بل إظهار المرائي للعبادة إذا لم يعلم الناس أنّه رياء فيه خير كثير للناس و لكنّه شرّ للمرائي فكم من مخلص كان سبب إخلاصه الاقتداء بمن هو مراء عند اللّه تعالى و قد روي أنّه كان يجتاز الإنسان في سكك البصرة عند الصبح فيسمع أصوات المصلّين بالقرآن من البيوت
المحجة