المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٣
و لا يجوز أن يظنّ بهم أنّهم حرموا أفضل العملين و يدلّ عليه قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أجرها و أجر من عمل بها» و قد روي في بعض الحديث: «إنّ عمل السرّ يضاعف على عمل العلانية بسبعين ضعفا و يضاعف عمل العلانية إذا استنّ بعامله على عمل السرّ سبعين ضعفا»[١]و هذا لا وجه للخلاف فيه فإنّه مهما انفكّ القلب عن شوائب الرّياء و تمّ الإخلاص على وجه واحد في الحالتين فما يقتدى به أفضل لا محالة و إنّما يخاف من ظهور الرّياء و مهما حصلت شائبة الرّياء لم ينفعه اقتداء غيره و هلك به فلا خلاف في أنّ السرّ أفضل منه.
و لكنّ على من يظهر العمل وظيفتان: إحداهما: أن يظهره حيث يعلم أنّه يقتدى به أو يظنّ ذلك ظنّا و ربّ رجل يقتدي به أهله دون جيرانه، و ربّما يقتدي به جيرانه دون أهل السوق و ربّما يقتدي به أهل محلّته، و إنّما العالم المعروف هو الّذي يقتدي به الناس كافّة فغير العالم إذا أظهر بعض الطاعات ربّما نسب إلى الرّياء و النفاق و ذمّوه و لم يقتدوا به فليس له الإظهار من غير فائدة فإنّما يصحّ الإظهار بنيّة القدوة ممّن هو في محلّ القدوة على من هو في محلّ الاقتداء به.
و الثانية أن يراقب قلبه فإنّه ربّما يكون فيه حبّ الرّياء الخفيّ فيدعوه إلى الإظهار بعذر الاقتداء، و إنّما شهوتها التجمّل بالعمل و بكونه مقتدى به، و هذا حال كلّ من يظهر أعماله إلّا الأقوياء المخلصين و قليل ما هم، فلا ينبغي أن يخدع الضعيف نفسه بذلك فيهلك و هو لا يشعر، فإنّ الضعيف مثاله مثال الغريق الّذي يحسن سباحة ضعيفة فنظر إلى جماعة من الغرقى فرحمهم فأقبل عليهم حتّى تشبثوا به فهلكوا و هلك و الغرق بالماء في الدّنيا ألمه ساعة و ليت كان الهلاك بالرّياء مثله
[١] أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي الدرداء مقتصرا على الشطر الأول بنحوه و قال: هذا من افراد بقية عن شيوخه المجهولين و قد تقدم و له من حديث ابن عمر «عمل السر أفضل من عمل العلانية و العلانية أفضل لمن أراد الاقتداء» و قال قد تفرد به بقية عن عبد الملك بن مهران. و له من حديث عائشة «يفضل او يضاعف الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحفظة على الذي تسمعه بسبعين ضعفا» و قال: تفرد به معاوية بن يحيى الصد في و هو ضعيف. (المغني)
المحجة