المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨١
اللّه تعالى فلا يخفى غلطه، و إنّما أمرنا بالحذر من الشيطان كيلا يصدّنا عن الذّكر فكيف نجعل ذكره أغلب الأشياء على قلوبنا و هو منتهى ضرر العدوّ، ثمّ يؤدّي ذلك إلى خلوّ القلب عن نور ذكر اللّه تعالى فإذا قصد الشيطان مثل هذا القلب و ليس فيه نور ذكر اللّه و قوّة الاشتغال به فيوشك أن يظفر به و لا يقوي على دفعه فلم يأمرنا بانتظار الشيطان و لا بإدمان ذكره، و أمّا الفرقة الثانية فقد شاركت الأولى إذ جمعت في القلب بين ذكر اللّه و الشيطان و بقدر ما يشتغل القلب بذكر الشيطان ينقص من ذكر اللّه و قد أمر اللّه الخلق بذكره و نسيان ما عداه- إبليس و غيره- فالحقّ أن يلزم العبد قلبه الحذر من الشيطان و يقرّر على نفسه عداوته فإذا اعتقده و صدق به و سكن الحذر فيه فليشتغل بذكر اللّه و يكبّ عليه بكلّ الهمّة و لا يخطر بباله أمر الشيطان فإنّه إذا اشتغل بذلك بعد معرفة عداوته ثمّ خطر الشيطان له تنبّه له و عند التنبّه يشتغل بدفعه، و الاشتغال بذكر اللّه لا يمنع من التيقّظ عند نزغة الشيطان، بل الرّجل ينام و هو خائف على أن يفوته مهمّ عند طلوع الصبح فيلزم نفسه الحذر و ينام على أن يتنبّه في ذلك الوقت فينتبه في اللّيل مرّات قبل أوانه لما استكنّ في قلبه من الحذر مع أنّه بالنوم غافل عنه فاشتغاله بذكر اللّه كيف يمنع تنبّهه، و مثل هذا القلب هو الّذي يقوى على دفع العدوّ و إذا كان اشتغاله بمجرّد ذكر اللّه تعالى قد أمات منه الهوى و أحيا فيه نور العقل و العلم و أماط عنه ظلمة الشهوات، فأهل البصيرة أشعروا قلوبهم عداوة الشيطان و ترصّده و ألزموها الحذر ثمّ لم يشتغلوا بذكره بل بذكر اللّه و دفعوا بالذّكر شرّ العدوّ و استضاءوا بنور الذّكر حتّى أبصروا خواطر العدوّ، فمثال القلب مثال بئر أريد تطهيرها من الماء القذر ليتفجّر منها الماء الصافي، فالمشتغل بذكر الشيطان قد ترك فيها الماء القذر و الّذي جمع بين ذكر الشيطان و بين ذكر اللّه قد نزح الماء القذر من جانب و لكنّه تركه جاريا إليها من جانب آخر فيطول تعبه و لا تجفّ البئر عن الماء القذر، و البصير هو الّذي جعل لمجرى الماء القذر سدّا و ملأها بالماء الصافي فإذا جاء الماء القذر دفعه بالسكر و السدّ من غير كلفة و مئونة و زيادة تعب.
المحجة