المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٨٠
فإذا لزمك بأمر اللّه الحذر من العدوّ الكافر و أنت تراهم فبأن يلزمك الحذر من عدوّ يراك و لا تراه أولى، و لذلك قيل: صيد تراه و لا يراك يوشك أن تظفر به، و صيد يراك و لا تراه يوشك أن يظفر بك، و أشار إلى الشيطان فكيف و ليس في الغفلة من عداوة الكافر إلّا قتل هو شهادة و في إهمال الحذر من الشيطان التعرّض للنّار و العقاب الأليم، فليس من الاشتغال باللّه الإعراض عمّا حذّر اللّه عنه، و به يبطل مذهب الفرقة الثانية في ظنّهم أنّ ذلك قادح في التوكّل فإنّ أخذ الترس و السلاح و جمع الجنود و حفر الخندق لم يقدح في توكّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فكيف يقدح في التوكّل الخوف ممّا خوّف اللّه به، و الحذر ممّا أمر بالحذر منه، و قد ذكرنا في كتاب التوكّل ما يبين غلط من ظنّ أن معنى التوكّل النزوع عن الأسباب بالكلّيّة و قوله تعالى: «وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ» لا يناقض امتثاله التوكّل مهما اعتقد القلب أنّ الضارّ و النافع و المحيي و المميت هو اللّه، فكذلك يحذر الشيطان و يعتقد أنّ المضلّ و الهادي هو اللّه، و يرى الأسباب وسائط مسخّرة كما ذكرناه في كتاب التوكّل.
و هذا ما اختاره المحاسبيّ و هو الصحيح الّذي يشهد له نور العلم و ما قبله يشبه أن يكون من كلام العبّاد الّذين لم يعزر علمهم و يظنّون أن ما يهجم عليهم من الأحوال في بعض الأوقات من الاستغراق باللّه يستمر على الدّوام و هو بعيد.
ثمّ اختلفت هذه الفرقة على ثلاثة أوجه في كيفيّة الحذر فقال قوم: إذا حذّرنا اللّه تعالى العدوّ فلا ينبغي أن يكون شيء أغلب على قلوبنا من ذكره و الحذر منه و الترصّد له فإنّا إن غفلنا عنه لحظة فيوشك أن يهلكنا، و قال قوم: إنّ ذلك يؤدّي إلى خلوّ القلب عن ذكر اللّه و اشتغال الهمّ كلّه بالشيطان و ذلك مراد الشيطان منّا بل نشتغل بذكر اللّه تعالى و لا ننسي الشيطان و عداوته و الحاجة إلى الحذر منه فنجمع بين الأمرين، فإنّا إن نسيناه ربّما عرض من حيث لا نحتسب و إن تجرّدنا لذكره كنّا قد أهملنا ذكر اللّه تعالى فالجمع أولى، و قال العلماء المحقّقون: غلط الفريقان فأمّا الأوّل: فقد تجرّد لذكر الشيطان و نسي ذكر
المحجة