المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٨
الشيطان سيحسده عند جريان أسباب الرّياء فيكون قد عزم على أنّه مهما نزغ الشيطان زاد فيما هو فيه من الإخلاص و الاشتغال باللّه عزّ و جلّ و إخفاء الصدقة و العبادة غيظا للشيطان، و ذلك هو الّذي يغيظ الشيطان و يقمعه و يوجب يأسه و قنوطه حتّى لا يرجع، و يروى عن الفضيل بن غزوان أنّه قيل له: إنّ فلانا ذكرك بسوء، قال: و اللّه لأغيظنّ من أمره، قيل: و من أمره؟ قال: الشيطان، ثمّ قال: «اللّهمّ اغفر له» أي لأغيظنّه بأن أطيع اللّه فيه، و مهما عرف الشيطان من عبد اعتاد هذه العادة كفّ عنه خيفة من أن يزيد في حسناته، و قال إبراهيم التيميّ:
إنّ الشيطان ليدعو العبد إلى الباب من الإثم فلا يطعه و ليحدث عند ذلك خيرا، فإذا رآه كذلك تركه. و قال أيضا: إذا رآك الشيطان متردّدا طمع فيك و إذا رآك مداوما ملّك و قلاك [١].
و ضرب الحارث المحاسبيّ [٢] لهذه الأربعة مثالا أحسن فيه فقال: مثالهم كأربعة قصدوا مجلسا من العلم و الحديث لينالوا منه فائدة و هداية و رشدا، فحسدهم على ذلك ضالّ مبتدع و خاف أن يعرفوا الحقّ، فتقدّم إلى واحد منهم فمنعه و صرفه عنه و دعاه إلى مجلس ضلال فأبى فلمّا عرف إباءه شغله بالمجادلة فاشتغل معه ليردّ ضلاله و هو يظنّ أنّ ذلك مصلحة له و هو غرض الضّالّ ليفوت عليه بقدر تأخّره، فلمّا مرّ الثاني عليه نهاه و استوقفه فوقف فدفع في نحر الضالّ و لم يشتغل بالقتال و استعجل ففرح منه الضالّ بقدر توقّفه للدّفع فيه، و مرّ به الثالث فلم يلتفت إليه و لم يشتغل بدفعه و لا بقتاله بل استمرّ على ما كان فخاب منه رجاؤه بالكلّيّة، و مرّ الرّابع فلم يتوقّف له و أراد أن يغيظه فزاد في عجلته و ترك التأنّي في المشي فيوشك إن عادوا و مرّوا عليه مرّة أخرى أن يعاود الجميع إلّا هذا الأخير فإنّه لا يعاوده خيفة من أن يزداد فائدة باستعجاله.
[١] مل يمل: أصابه الملال، تقلب مرضا أو غما. و القلى: البغض.
[٢] هو أبو عبد اللّه الحارث بن اسد المحاسبي صاحب كتاب «الرعاية لحقوق اللّه» و هذا الكتاب طبع بليدن و هذا الكلام فيه ص ١٠٩ فليراجع.
المحجة