المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٧
بصريح الإيمان الوسوسة فلم يبق إلّا حمله على الكراهة المساوقة للوسوسة و الرّياء و إن كان عظيما فهو دون الوسوسة في حقّ اللّه تعالى فإذا اندفع ضرر الأعظم بالكراهة فبأن يندفع بها ضرر الأصغر أولى، و كذلك يروى عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حديث ابن عبّاس أنّه قال: «الحمد للَّه الّذي ردّ كيد الشيطان إلى الوسوسة» [١].
و قال أبو حازم: ما كان من نفسك فكرهته نفسك لنفسك فلا يضرّك ما هو من عدوّك، و ما كان من نفسك فرضيته نفسك لنفسك فعاتبها عليه. فإذن وسوسة الشيطان و منازعة النّفس لا تضرّك مهما رددت مرادهما بالإباء و الكراهة. و الخواطر الّتي هي العلوم و التذكّرات و التخيّلات للأسباب المهيّجة للرّياء هي من الشيطان.
و الرّغبة و الميل بعد تلك الخواطر من النفس و الكراهة من الإيمان و من آثار العقل إلّا أنّ للشيطان هاهنا مكيدة و هو أنّه إذا عجز عن حمله على قبول الرّياء خيّل إليه أن صلاح قلبه في الاشتغال بمجادلة الشيطان و مطاولته في الردّ و الجدال حتّى يسلبه ثواب الإخلاص و حضور القلب، لأنّ الاشتغال بمجادلة الشيطان و مدافعته انصراف عن سرّ المناجاة مع اللّه عزّ و جلّ فيوجب ذلك نقصانا في منزلته عند اللّه.
و المتخلّصون عن الرّياء في دفع خواطر الرّياء على أربع مراتب:
الأولى: أن يردّه على الشيطان فيكذّبه و لا يقتصر عليه بل يشتغل بمجادلته و يطيل الجدال معه لظنّه أنّ ذلك أسلم للقلب و هو على التحقيق نقصان لأنّه اشتغل عن مناجاة اللّه و عن الخير الّذي هو بصدده و انصرف إلى قتال قطّاع الطريق و التعريج على قتال قطّاع الطريق نقصان في السلوك، الثانية: أن يعرف أنّ القتال و الجدال نقصان في السلوك فيقتصر على تكذيبه و دفعه و لا يشتغل بمجادلته، الثالثة: أن لا يشتغل بتكذيبه أيضا لأنّ ذلك وقفة و إن قلّت، بل يكون قد قرّر في عقد ضميره كراهة الرّياء و كذب الشيطان فيستمرّ على ما كان عليه مستصحبا للكراهة غير مشتغل بالتكذيب و لا بالمخاصمة، الرابعة: أن يكون قد علم أنّ
[١] أخرجه أحمد ج ١ ص ٢٣٥ من حديث ابن عباس، و أيضا أبو داود ج ٢ ص ٦٢٣ في حديث.
المحجة